- 30 يوليو 2026
- نجلاء العمري - المدية - الجزائر
- قصص قصيرة
- 0 التعليقات
- 80 المشاهدات
لم يكترث أحد بذلك الرجل الذي انهار على قارعة الطريق في أكثر شوارع منهاتن ازدحاما ، بلحيته الكثة المبللة بالدموع .. توقفت دون إرادة مني - وقد عودتني هذه المدينة أال أتوقف - غير أن حزنا كثيفا كان يغمر المكان ونظرات ضائعة ومقهورة ذكرتني بصديق قديم .. اقتربت منه على حذر كانت مالبسه متسخة لكنها لم تكن مهترئة كثيرا كبعض المشردين الذين أراهم مستلقين في الصبواي .. ويبدو لي أنه ظل متماسكا لفترة من الوقت ثم سقط فجأه بعد طول مقاومة.. أمسكت بيده على حذر وساعدته على الوقوف ..أجلسته على مقعد قريب ثم سألته إن كان جائعا .. هز رأسه بالنفي فصم ُت .. كان يمسح دموعه بطرف كمه المتسخ فيصبح وجهه أكثر بياضا ونظافة..لقد تراكمت األوساخ على وجهه كما فعلت األحزان بقلبه.. بدا أكبر مما هو عليه بتجاعيد عميقة وغائرة.. هدأ قليال فقلت.. - هل أستطيع مساعدتك ؟ نظر إلي بعينين رماديتين كشعره األشيب ثم نكس برأسه مجددا .. صمت وطال صمته.. اتجهت الى محل كان بالجوار واشتريت بعض السندوتشات وكوبين من القهوة ، ناولته فبدأ باألكل .. أخذت أشرب القهوة وصورة الصديق القديم ال تفارق مخيلتي كان أصغر منه سنا و أكثر بهاءا بجبين عريض وعينين زرقاوتين غير أنه كان مثله حزينا وموجوعا .. تنبهت اليه وهو يسعل فناولته بعض المناديل مسح أنفه بكمه وعاد ينظر إلى األرض بعينين مرتبكتين.. أستطيع ان آخذك الى مكان تنام فيه هل تريد ذلك ؟ هز رأسه بالنفي مرة أخرى وعاد للصمت .. - نحن على مشارف الشتاء .. قلت له .. - ال تستطيع أن تنام في الشوارع مجددا .. كنت أراه كل يوم اثناء ذهابي إلى معهد اللغة اإلنجليزية وعودتي منه .. وكان يبدو لي مألوفا غير انه دائما ما يكون ذاهال عن نفسه .. هذه المرة بدا لي مختلفا .. كان وجعه أكبر منه ، لذا عندما سقط على قارعة الطريق لم أكن قادرة على تجاوزه وما أكثر من نتجاوزهم كل يوم .. قلت له -: قد ال استطيع أن أعمل لك الكثير لكني أستطيع أن اجعلك تحيا بصورة مختلفة ليوم واحد .. هل تحب ذلك ؟ ! نظر إلي مندهشا فابتسمت وأنا أخرج كتاب اللغة من حقيبتي .. قلت له أنظر لقد أضعت يوما دراسيا بسببك .. تستطيع ان تكون معلمي ليوم واحد .. هز رأسه بالموافقه فاخذته الى محل مالبس رجالية رخيصة وابتعت له قميصا وبنطلونا وطلبت منه أن يرتديها .. كان مطيعا وخانعا .. غسل وجهه ورتب شعره فبدا وسيما حقا .. اتسع جبينه كذلك الصديق وبدا باهيا بحلته الجديدة . ذهبنا إلى أقرب حديقة وبدأ يحدثني عن نفسه .. -هذا جزء من الدرس !! تساءلت مازحة فتبسم وكان آية في الحزن فتنتني وفطرت قلبي .. إستطرد فيما الدموع كانت تنهمر من عيني .. لم أكن أستمع اليه .. وكأنما كان الصديق القديم هو من يتحدث وكانت الصور تتوارد الى ذاكرتي عندما وصلت إلى هذا البلد وكنت أتهاوى فال أجد يدا تمتد لتنتشلني غير كلمات ذلك الصديق .. ال أزال أتذكره وهو يعدو إلى الجانب اآلخر من الشارع ثم يلتفت نحوي باسما وعندما أقترب يقول بصوته الخفيض : - هذه مدينة الركض .. عليك أن تركضي قبل أن تقفل اإلشارة .. وعليك أن تركضي لتلحقي بالباص قبل أن يقفل بابه .. وعليك أن تركضي قبل أن تخلفك الحياة وراءها.. عاد يسعل بشدة فارتدى جاكتة ممزقة ومتسخة. . ناولته بقية المناديل التي كانت ال تزال في كيس السندوتشات .. مسح أنفه ورفع عينيه نحوي .. عينان رماديتان قلقتان وحائرتان .. كم تخيفني العيون الرمادية لكنهما في هذه الحالة كانتا كسحابتين محملتين بالشجن .. - كنت معلما .. قال .. - أعرف .. قلت .. - كيف تعرفين ذلك ابتسمت وأنا أشير إلى كتابي الذي بين يديه وقلت .. - لقد كنت معلمي .. نظر الي مندهشا .. نقل نظراته في الفراغات المزدحمة بالناس .. األقدام تروح وتجيء من حولنا .. عاد من شروده ليغمغم. . - أتمنى أن أكون قد علمتك شيئا يستحق. . ربت على كتفه هامسة-: - لقد فعلت .. توقف وهو يناولني كتابي ودون أن يقول شيئا عدل ياقة قميصه ومضى .. ذلك اليوم كان ذلك الصديق يركض ليلحق بالباص قبل أن يقفل بابه لكنه لم يستطع إدراكه .. نظر نحوي وهو يلوح لي بكفه واتجه نحو المترو أسفل األرض
FACEBOOK
Google
التعليقات (0)
لا تعليقات بعد