• 18 يونيو 2026
  • زهيرة بودهان
  • تدبرات
  • 0 التعليقات
  • 59 المشاهدات

حب الله ودوره في تحرير القلب من التعلق المؤذي : تأملات في قاعدة : الله ثم النفس ثم الآخرون

كنت يوما جالسة في قاعة الانتظار داخل عيادة طبية أنتظر دوري بعد ان وصلت متأخرة، فقررت قضاء وقت الانتظار بسماع شيء مفيد، أخرجت هاتفي وأخذت أتصفح اليوتيوب فوقع نظري على عنوان ملفت: الله ثم النفس والآخرون..

وضعت السماعات وبدأت أنصت ، ومرت نصف ساعة فإذا بإشعار من المسنجر يقطع تركيزي برسالة من صديقة مقربة، هممت بتأجيل الرد عليها إلى حين عودتي من العيادة، لكنها استهلت رسالتها بعبارة مرتبطة ارتباطا غريبا بعنوان المحاضرة التي لفتت نظري..  قالت: أنا منهارة.. لقد أصبت بداء التعلق..

قرأت رسالتها وأنا أتذكر عناصر المحاضرة ، فقلت لها: أتعلمين أن هناك ترتيبا منطقيا سيعالجك من هذا الداء ويشفيك شفاء لا يغادر سقما؟ الله ثم النفس ثم الآخرون .. عليك أن تتعلقي بالله ثم تركزي مع نفسك وما ينفعها ثم بعد ذلك يأتي الآخرون.. فهل قلبك متعلق بالله؟

أرسلت للصديقة الرابط وأوصيتها أن تسمع المحاضرة، وبقي الموضوع يشغل فكري بعدة أسئلة:

ما الذي يجعل الإنسان يقع في فخ التعلق الذي يؤذي نفسه ويؤدي به إلى الانهيار النفسي؟

هل هو أمر خارج إرادة الإنسان أم يمكنه التحكم به وعلاجه؟

وكيف يمكن حماية القلب من هذا الداء وتدريبه على مراتب الحب السليمة: الله ثم النفس والآخرون؟

الله أولا:

الإنسان مخلوق اجتماعي محب بالفطرة، لكنه قد يتشتت في توجيه مشاعره فيستثمرها في أماكن خاطئة قد تؤذي قلبه وتفقده السلام النفسي، وإن تفلتت الأمور قد ينسى المرء نفسه ويهملها فيصاب بالاكتئاب أيضا، والسبب الرئيسي في تشتت المشاعر هو غفلة الإنسان عن الجهة الأسمى التي يجب أن يحبها أولا لتطمئن روحه وتستقر نفسه،

يقول الدكتور طارق الحبيب استشاري الطب النفسي: "ما كان للنفس أن تستقر حقيقة الاستقرار إن لم تطمئن الروح بالإيمان"(1)

وليس من سبيل لاطمئنان الروح سوى أن يتعلق القلب بخالق هذه الروح، فحب الله والتعلق به يمنح القلب رؤية صحيحة لمراتب بقية الكائنات التي تدخل في ملك الله ، وبالتالي لا يمكن لهذه المخلوقات أن تسيطر على القلب وتحتله على حساب حق الله وحق النفس.

علامات المحب:

وحتى يصل القلب إلى تلك المرتبة العالية ويكون محبا لله، فإنه يجاهد نفسه كل يوم ليلتزم بعدة أمور:

أولا: كثرة الذكر ولزوم الأذكار، فالمحب لله يكثر من ذكره في السر والعلانية، ويحافظ على أذكار اليوم والليلة، فالذكر هو أقوى علامة على تعلق القلب بالله ومحبته، يقول عز وجل في محكم التنزيل: ﴿وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَشَدُّ حُبࣰّا للهِ﴾ [البقرة ١٦٥]

ثانيا: تلاوة القرآن وتدبره: فحين يتعلق القلب بالله يتعلق بكلامه ويتلوه آناء الليل والنهار، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يحزبون القرآن، أي يختمونه في سبعة أيام، ويقرؤونه في أي وقت وعلى أي هيئة، وكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ حزبها من القرآن وهي مضطجعة(2)

ثالثا: الصبر على البلاء وتوطين النفس على تقبله كحقيقة دائمة لهذه الحياة، فحين يوقن الإنسان أنه هنا ليبتلى، سيكون الهدف الأساسي من حياته أن ينجح في الاختبار ويلقى الله بقلب سليم، وذلك ما يتعلمه من تلاوة القرآن وتدبر دعاء النبي إبراهيم عليه السلام: ﴿وَلَا تُخۡزِنِی یَوۡمَ یُبۡعَثُونَ ۝٨٧ یَوۡمَ لَا یَنفَعُ مَالࣱ وَلَا بَنُونَ ۝٨٨ إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبࣲ سَلِیمࣲ ۝٨٩﴾ [الشعراء ٨٧-٨٩]

رابعا:الانشغال بطاعة الله ومرضاته، ولا يكون ذلك إلا إن تفقه في الدين وطلب العلم وتعرف على الأعمال التي يحبها الله فيلتزم بها قدر استطاعته ويتجنب ما يغضب الله، فيجاهد نفسه ليزكيها ويتجنب كل ما من شأنه أن يشتت ذهنه ويشغله عن الغاية العظمى التي خلقه الله من أجلها وهي عبادته وتوحيده: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]

خامسا: الأنس بالله والشوق إلى لقائه: ويتجلى ذلك في الراحة التي يشعر بها المؤمن حين يختلي بنفسه في شتى أنواع العبادات فأنس بصحبة القرآن ويخشع في الصلاة ويطيب له التأمل في بديع خلق الله ويذكر الله مستشعرا عظمته وقدرته، ويجد في نفسه شوقا إلى لقاء الله لأن قلبه استنار بنور الحق والهداية فأدرك أن وطنه الحقيقي وسعادته الأبدية إنما بجوار الله وفردوسه الأعلى

ثانيا: النفس:

إذا استقر حب الله في قلب المؤمن يصبح على بصيرة بكل ما يزكي نفسه وينفعها دينيا ونفسيا وصحيا واجتماعيا، فنتيجة لحب الله يحب نفسه ويسعى في صلاحها أولا بغير أنانية تتعارض مع علاقته بالآخرين، فهو يحب نفسه في ضوء ما يرضي الله، فيحب لها الطهارة والطمأنينة والصحة النفسية والجسدية، وكل ذلك يقويها على العبادة والعمل الصالح

مظاهر المحبة الصحية للنفس:

أولا: العناية بالجسد، بالحرص على الغذاء الصحي والنوم الكافي والرياضة والنظافة، وذلك من تكريمه للجسم الذي وهبه الله، بحيث تكون العناية بالقدر المعقول الذي يحفظ سلامته ولا تتحول تلك العناية إلى هوس بالشكل والجمال فتضيع البوصلة على حساب الروح، قال أبو الفتح البستي:

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... أتطلب الربح فيما فيه خسران

أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

ثانيا: العناية بالصحة النفسية: ويتجلى ذلك في شغلها بكل ما ينفعها من علم وعمل، فسر استقرارها الأساسي هو طمأنينة الروح، ولا تتغذى الروح إلا بالعلم الذي يعرفها بالله وأسمائه وصفاته ثم العلم الضروري الذي لا يصح دينها إلا به، وبعده تأتي بقية العلوم والآداب والحكمة التي تزكي النفس وترفع الهمة وتحمي الإنسان من السفاسف وتضييع الأوقات، فينشغل بما يفيده من أمور دنياه من دراسة وعمل وسعي لتحقيق لصلاح شأنه

ثالثا: تجنب كل ما من شأنه أن يفسد على الإنسان خطة إصلاح نفسه، فيتفادى لصوص الوقت كرفقة السوء وإدمان مواقع التواصل والمحتوى التافه وتبديد الأوقات في مشاهدة المسلسلات والوقوع فريسة لأفلام السوء فيجد نفسه في النهاية على شفير الهاوية، فيجب عليه توخي الحذر فكم من صالح تردى بسبب تساهله وغفلته عن هذه الأمور، قال عز وجل: ﴿وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِینَ یَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِیِّ یُرِیدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَیۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِیدُ زِینَةَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطࣰا﴾ [الكهف ٢٨]

الآخرون أخيرا:

حين يصلح الإنسان علاقته بالله ثم يركز على صلاح نفسه وتزكيتها، يصبح ترتيب الآخرين في محله الصحيح الذي لا يتجاوزه فيصاب بداء التعلق، لأنه قد اكتسب مناعة روحية ونفسية تحميه من الأذى وتصحح نظرته إلى العلاقات من حوله، وبالتالي تكون محبته للآخرين مبنية على أسس سليمة، تتمثل في الآتي:

أولا: البدء بالأقربين، فيمنح الإنسان محبته واهتمامه بأقرب الناس إليه وهم والداه، ﴿۞ وَٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُوا۟ بِهِۦ شَیۡـࣰٔاۖ وَبِٱلۡوَ ٰ⁠لِدَیۡنِ إِحۡسَـٰنࣰا وَبِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱلۡجَارِ ذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالࣰا فَخُورًا﴾ [النساء ٣٦]، ثم يوجه محبته نحو أهله فيبدأ بعائلته الصغيرة من زوجة وأبناء إن كان متزوجا ثم إخوته ثم أقاربه وأصدقاؤه، لتعم محبته بعدهم إلى المسلمين في كل مكان ثم إلى الإنسانية جمعاء

ثانيا: أن تكون المحبة على ضوء الكتاب والسنة، فيكون حبه في الله ويحب للناس ما يحب لنفسه، ويرضى لهم من الخير ما يرضاه لنفسه، فيعينهم ويدلهم على الخير ويشارك في العمل التطوعي ولا يبخل بماله ووقته وعلمه في سبيل الله، لان المؤمن كالغيث أينما وقع نفع.

ثالثا: أن يدعو لهم وينصحهم ويتسامح معهم عند الجهل أو الخطأ في غير مذلة ولا هوان، ولا ينسى أنهم بشر يفتقرون إلى الكمال فلا يبالغ في توقعاته ولا ينتظر منهم فوق ما يطيقون، فأغلب الصدمات النفسية تأتي من علو سقف التوقعات على حساب المعقول

خاتمة:

حب الله عز وجل هو القاعدة المتينة والحصن المنيع الذي يحمي القلب من الانكسار ويعيد ترتيب الأولويات في الحياة، ولا يمكن حب الله إلا بالتعرف إليه وتعلم معاني أسمائه وصفاته، وتعلم كتابه وتلاوته وتدبرهن والمحافظة على الأذكار والتفقه في الدين.

حب النفس في ظل حب الله يحميها من التعلق المؤذي ويجعلها مشغولة بكل ما يصلح شؤونها ويزكيها ويرفع همتها، فلا تجد وقتا لتضيعه مع رفاق سوء أو مواقع سيئة أو محتوى مشتت، ناهيك عن تبديد مشاعرها في التعلق بالآخرين والتعذب من أجلهم

حب الآخرين لا يمكن أن يكون صحيا إلا إن كان في رتبته الطبيعية بعد ان يحب الإنسان خلقه ثم نفسه، بذلك سيتمكن الإنسان من منح الحب بالطريقة الصحيحة ، فيحمي نفسه وينفع الآخرين ويكمل رحلته في الحياة بنفس مطمئنة إلى أن يلقى الله بقلب سليم

فاعلم أيها المؤمن:

"أنه كلما زاد حبك لله عز وجل ارتفعت معدلات القوة في نفسك، فتتكون لديك مناعة روحية ضد سفاسف الأمور، ولن يستطيع مخلوق على وجه الأرض أن ينزلك من علياء عزك" (3)

المصادر:

القرآن الكريم

(1)طارق الحبيب. علمتني أمي. ص12 .مركز مدار المسلم. فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية. ط1. 1429ه . 2008م

(2)أبو بكر ابن أبي شيبة. المصنف في الأحاديث والآثار. ص241. مج2. الحديث رقم 8571. مكتبة الرشد الرياض.ط1. 1409

(3)زهيرة بودهان. خبايا إيمانية في خلاياي السرطانية. ص 42 . دار نقطة للنشر والتوزيع. ط4 . 2021