- 02 يوليو 2026
- جبران أحمد العقاب - اليمن
- قصص قصيرة
- 0 التعليقات
- 182 المشاهدات
في عودتي الأخيرة إلى صنعاء كان كل شيء كما هو، إلّا أنا... ودّعتُ قريتي صباحاً وهي هادئة عليلة الهواء ككل صباحاتها، أمي وقد وضعت في حقيبتي أشياءً تُذكِّرني بالقرية، تبتهلُ بالدعاء أن يتمم الله مقاصدي بالإضافة إلى تمتماتٍ خافتة لا أسمعها بوضوح، لكنني أثقُ بأن الله يسمعها. ثم تُطوّقني بذراعيها ولا تنسى خاتمة دعائها لي المعتادة: "أعلى جاهك وخذلَ عدوّك، جعل الله لك في كل طريقٍ رفيق وفي كل مكانٍ صديق...؛ وكأنها تدرك كم أخشى الوحدة، وإن متصنعي الودّ حولي كُثر!.
بعروجنا إلى قمم الجبال، غابت القرية عن ناظريّ وأطلينا على ضواحي مدينة إب، فأخذنا نقترب منها رويداً رويداً؛ متجاهلاً ما يعتمل بداخلي!.
ودّعتُ المدينة الجميلة، يممتُ خُطاي نحو صنعاء وكلما تقدمتُ قليلاً زاد ضجيجٌ غريبٌ بداخلي... تفاصيل الطريق التي حفظتها لم تتغير، سائق السيارة كغيره ممّن ينقلون المسافرين يمضغُ القات طالما هو يقود السيارة. المسافرون يبدون في تصرفاتهم وكأنّهم ذاتهم الذين أسافر معهم كل مرّة؛ أحدهم يطلبُ كيساً بلاستيكياً لابنه الذي أصابه الغثيان؛ آخرٌ يحاول تقدير المسافة وتخمين المكان أين سيحل موعد الغداء؛ شابٌّ منطربٌ مع صوت أبي بكر مغنياً "أحبّة رُبى صنعاء..."، ويبتسمُ كلما أشعره هاتفه برسائلٍ جديدة أعتقدُ أنّها من معشوقته؛ وأنا في داخلي شعوراً لم أعرف مثله شعور!.
غفلتُ تماماً عن كل ما حولي محاولاً ترجمة هذا الشعور الغريب، أو إيجاد تفسيراً للضجيج بداخلي. فجأة عاد تركيزي بتلويح أحدهم أمام وجهي، وصوته المرتفع:
_ صلِّ على النبي، أول مرّة تسافر صنعاء؟!
_ لا، زِرتها كثيراً وعِشتُ فيها.
_ ومع ذلك أعتقدُ أنّك وحيدٌ في صنعاء.
ارتبكت وأنا أسمعُ صوتاً في داخلي يريد أن يقول له: "نعم". قاومتُ ذلك الصوت، ثم أجبتُ:
"ومن قال لك إنني وحيد في صنعاء؟! فلديّ أقارب هناك يفرحون دائماً بقدومي، وأصدقاء ينتظرون وصولي يصعب عليك حصرهم... صنعاء تعرفني تماماً كما أعرفها؛ يعرفني فيها حتى صائغ الأحجار الكريمة، وبائع الأنتيكا، وعامل المقهى القديم.
لم ألاحظ كم مضى من الوقت وأنا سارح بتفكيري، لكن المكان الذي أصبحنا فيه يدل على أن ما مضى من الوقت كافٍ ليتقيأ الطفل مرتين، ويغني أبو بكر ألبوماً كاملاً، ويستقبلُ الشاب العاشق بضع وعشرين رسالة على الأقل... فأقول لنفسي: يهمني فقط أن أصل صنعاء.
وصلت صنعاء، زرتُ بعض الأقارب، ثم اِلتقيتُ أصدقاءً كانوا في انتظاري... وجدتُ بعض الشوارع باقية، لكنها جامدة. أصدقائي يأملون مشاركتهم الحديث كالعادة، بينما أنا أحاول فهم ما في داخلي. أسمعُ صوتاً بعيداً "أعتقدُ أنّك وحيدٌ في صنعاء"، فأخرسه مرّة تلو أخرى حتى جاء الصباح، وبطريقةٍ لم أفهمها أصبحت أيامي تمضي وأنا بين متجولٍ في النهار وساهرٍ في الليل.
أطوف شوارع صنعاء وحواريها وأزقّتها بحثاً عن شيءٍ لا أعرفُ ماهيته، ولكن أعرفُ أنني فقدته؛ ربما هو "شعور الألفة" الذي سمعت وقرأت عنه كثيراً... أماكن أعرفها وتعرفني جيداً، لي فيها ذكريات وحكايات، وأحفظُ كل تفاصيلها. ولكن هذه المرّة وجدتها خاوية باردة؛ كل شيءٍ بهتَ وفقد بريقه، كل شيءٍ يوحي أنني وحيدٌ في صنعاء ويحاول إقناعي بعبث عودتي.
يتهيأ النهار للرحيل، فأعودُ أدراجي. أقضي ليلي محاولاً إعادة فلسفة مفهوميّ (الألفة والوحدة)؛ إعادة تعريفهما وتحديد عناصرهما. أحاول تفسير كيف تأتي الوحدة بعد الألفة، كيف لمدينةٍ احتضنت أقواماً وحضارات أن تضيق بجسدٍ نحيل، وكيف أخبرُ أمي أنني وحيدٌ في صنعاء رغم كثرة عدد الأصدقاء والرِّفاق... هل كرِهتني صنعاء أم أنا كرِهتها؟!
ثم أستقبل صباحاً جديداً، متمنياً لو كان لي إمكانية السّفر عبر الزمن؛ كنتُ سأعود بي إلى اللحظة التي كانت صنعاء تألفني وآلفُها، أو ربّما إلى قبل تلك اللحظة بقليل!.
FACEBOOK
Google
التعليقات (0)
لا تعليقات بعد