• 20 يونيو 2026
  • إبراهيم قاري - روائي جزائري
  • نقد
  • 0 التعليقات
  • 129 المشاهدات

يُصوَّر الروتين في الوعي الجمعي الحديث على أنه سجن للروح، وقيد للإبداع، وموت بطيء للأصالة. إنه مرادف للرتابة، ورمز للوجود الذي استسلم لثقل التكرار الميكانيكي. في هذا التصور السطحي، يُصبح البحث عن المعنى مرادفًا للبحث عن اللحظة الاستثنائية، متجاهلين القيمة العميقة للثبات والاستمرار، والحكمة التي قد تكمن في الإيقاع نفسه.

لكن هذا التصور، رغم جاذبيته العاطفية، يُخفي مغالطة عميقة في فهم طبيعة الوجود الإنساني. فإذا كان الوجود سلسلة من المواقف المتقلبة، فإن الروتين هو الإطار الثابت الذي يسمح لهذه المواقف بالظهور والتحليل. ولنكن واضحين، الأصالة التي نبحث عنها هنا ليست التميز عن الآخرين، بل هي حالة من التطابق الواعي بين قناعات الفرد العميقة وسلوكه اليومي. إنها الوعي الكامل والمُتعمَّد الذي نُمارس به الفعل المكرر، محولين إياه من عادة آلية إلى ممارسة ذات معنى وقصد.

الروتين كظاهرة: التجريد من الوعي ومأزق الغفلة

إن أول ما يفعله الروتين غير الواعي هو تحويل الفعل إلى عادة غافلة. نحن نأكل، نعمل، ونتحدث في مسارات مبرمجة سلفًا، كما لو كنا نؤدي طقوسًا يومية فقدت دلالتها الأصلية. هذا التجريد من الوعي هو ما يُولّد الشعور بالعبث والملل الوجودي، حيث نجد أنفسنا نعيش حياة تفتقر إلى البصمة الشخصية والقرار الحر. إننا نصبح آلات بيولوجية تؤدي وظائفها بكفاءة، لكنها خالية من الروح الحاضرة.

وهنا مكمن التحدي الوجودي: كيف يمكننا أن نُعيد الوعي إلى الفعل المكرر؟ إن الروتين، في بنيته الظاهرية، هو تتابع زمني للأفعال المتشابهة. لكن هذه البنية تخفي بنية دافعية عميقة: الحاجة الإنسانية الفطرية إلى الاستقرار والأمان، وربما الشوق الفطري إلى ربط أفعالنا بغاية تتجاوزنا.

الروتين المختار والروتين المفروض: مسؤولية الأصالة

من الضروري التمييز بين نوعين من الروتين. هناك الروتين المختار، وهو الذي نتبناه بوعي لخدمة قيمنا وأهدافنا (مثل روتين القراءة أو الرياضة). هذا النوع هو أرض خصبة للأصالة، حيث أن الفعل والغاية متطابقان.

أما النوع الآخر فهو الروتين المفروض، الذي تفرضه علينا ضرورات الحياة. هنا، لا تتحقق الأصالة بتزيين القيد، بل في الموقف الواعي تجاه القيد ذاته. إنها المقاومة الداخلية ضد الغفلة التي يفرضها هذا الروتين. قد تكون الأصالة هنا هي في ربط هذا العمل الشاق بغاية أسمى (كالمسؤولية تجاه من نحب)، أو في ممارسته بفضيلة الإتقان أو الصبر، ليس من أجل العمل، بل كتأكيد لقيمة داخلية لا يمكن للظروف الخارجية أن تسحقها.

الاستثناء كعنصر مكمل: تجديد البصيرة

إن السعي الدائم وراء "الاستثناء" قد يكون شكلًا من أشكال خداع الذات، وهروبًا من حقيقة أن المعاني الكبرى لا تُكتشف فقط، بل تُبنى وتُغزل في نسيج أيامنا العادية عبر التزام متجدد.

ومع ذلك، يجب ألا نغفل الدور الإيجابي للاستثناء. إنه يعمل كـ "كسر للرتابة الإدراكية"، حيث يُعيد شحن البصيرة ويُجدد المنظور، مما يسمح لنا بالعودة إلى الروتين اليومي برؤية جديدة. الأصالة لا تتحقق بكسر الروتين، بل بإعادة تملُّكِه بوعي كامل، مع إدراك أن الاستثناء قد يكون ضروريًا لإعادة إيقاظ هذا الوعي.

تفكيك الروتين: أبعاد الأصالة

لتحويل الروتين من سجن إلى مساحة للأصالة، يجب أن نُخضعه لمنهج تحليلي يُعيد إليه الوعي المفقود:

1.    البعد التأملي (القصد): أن نعيد النظر في كل فعل روتيني. طرح السؤال البسيط "لماذا أفعل هذا؟ ولأي غاية؟" يُعيد الفعل من دائرة اللاوعي إلى دائرة القرار الواعي. هذا التوقف التأملي هو ما يُحوّل التكرار إلى تمرين روحي، وهو أساس اليقظة الذهنية.

2.    البعد الدافعي (القيمة): الروتين أداة لخدمة قيمة أعمق. عندما نُدرك أن روتين العمل هو ما يخدم قيمة "المسؤولية"، أو أن روتين الرياضة يخدم قيمة "الأمانة مع الجسد"، فإننا نُعيد شحن الفعل المكرر بالمعنى.

3.    البعد الاجتماعي (الارتباط): الروتين يمتد إلى علاقاتنا. الالتزام بروتين التواصل هو الأساس الذي تُبنى عليه الثقة وتُوطّد العلاقة. الروتين هنا هو لغة الرحمة والوفاء غير المنطوقة.

4.    البعد الوجودي (الإيقاع الكوني): في النهاية، الروتين هو إيقاع الحياة ذاتها. تعاقب الليل والنهار، والفصول الأربعة، ودقات القلب، كلها تشير إلى نظام كوني دقيق. والأصالة تكمن في التناغم مع هذا الإيقاع، لا في محاربته. عندما ندرك أن الروتين هو ما يمنحنا الثبات، فإننا نتحرر من وهم أن الحياة يجب أن تكون سلسلة من المغامرات، ونحتضن الإيقاع الطبيعي لوجودنا بروح هادئة.

الختام: الأصالة في التكرار الواعي

الأصالة هي الوعي الممارس داخل الروتين. الروتين هو وعاء، والمعنى هو المحتوى الذي نختاره لوضعه فيه. عندما نُعيد تملُّك أفعالنا المكررة، ونُمارسها بقصد واعٍ لغاياتها وقيمها، فإننا نُحوّل التكرار إلى تأكيد يومي على جوهر وجودنا.

بممارستنا لطقوسنا المعتادة، نُعلن أننا كائنات تبحث عن المعنى وتصنعه في كل تفصيلة مكررة. هذا هو السر الذي يكمن في قلب الروتين: أن الحياة هي ما نختار أن نفعله بها، حتى في أكثر لحظاتها تكرارًا، وأن الأصالة هي فن العيش بروح حاضرة في صميم العادة.