• 05 يوليو 2026
  • زهيرة بودهان - الجزائر
  • تدبرات
  • 0 التعليقات
  • 51 المشاهدات

بينما كنت يوما أتصفح قناة في تطبيق تيليغرام تعنى بجمع المناظر الطبيعية الملفتة حول العالم بهدف حث الناس على عبادة التفكر في خلق الله، استوقفتني هذه الصورة لـ "صحراء أتاكاما" في تشيلي، وهي من أكثر المناطق جفافاً في العالم، حتى إن بعض العلماء يشبهون مناخها بكوكب المريخ، لكن في فترات زمنية متباعدة، قد تصل لعشر سنوات، تمطر السماء فوق هذه الصحراء القاحلة، وتتفجر الأرض بأكثر من 200 نوع من الأزهار مختلفة الألوان. وسبب هذا أن ملايين بصيلات الزهور البرية تظل حية وكامنة في أرض الصحراء طوال سنين الجفاف تنتظر المطر، وعند هطوله، تبرعم وتملأ الأرض بهذه الزهور الرائعة (1).

تأملت هذا المنظر البديع مليا، فوجدته شبيها بحال المؤمن العائد من رحلة بلاء طويل تشردت فيه نفسه وامتلأت بتصدعات اليأس والقنوط والهم والحزن، ولبث في ذلك التيه حينا من الدهر إلى أن رفع بصره فجأة نحو السماء وتذكّر بذور الإيمان المخزونة في تلك التشققات النفسية القاسية.. فإذا بلسانه يلهج بالدعاء، وإذا برحمة الله تنزل على قلبه كما ينزل الغيث على تلك الصحراء القاحلة بعد سنوات من الجفاف، فبدأت بذور اليقين تزهر، وارتسم للنفس التائهة طريق العودة، فنجت من رمال القنوط المتحركة، وعادت إلى الحياة من جديد.

هنا ثارت في ذهني أسئلة كثيرة أبرزها: ما الذي جعل هذه النفس تتيه؟ وكيف تضيع من الإنسان البوصلة رغم علمه كمؤمن أن وجوده في هذه الحياة مؤقت وله هدف محدد يعرفه منذ بلوغه؟ كيف السبيل لإنقاذ بذور الإيمان في قلبه؟ وكيف يمكن أن ينجو من متاهة اليأس ويبدأ من جديد؟

إن كتب التاريخ القديم والمعاصر مليئة بنماذج فريدة لشخصيات ابتليت بالفقر والحرمان أو بالأمراض الجسدية أو النفسية أو ابتليت في حريتها بالأسر ظلما أو العيش تحت وطأة الحرب أو ابتليت في دينها وخيرت بين تركه والعذاب، فكانت النتيجة أن استطاع كل نموذج النجاح في اختباره الخاص ونجا بنفسه وإيمانه من شتى أصناف البلاء،

والمتأمل لتراجمهم يجد أن العامل المشترك بين هؤلاء جميعا هو صدق اللجوء إلى الله ثم النهوض بالنفس ورفع همتها إلى العمل الصالح وإشغالها بمعالي الأمور، فلم يكن احدهم يترك نفسه فريسة الفراغ الذي يتآمر مع البلاء ليدخل الإنسان في حالة من الغم وفقدان الشغف والتردي في دركات اليأس والاكتئاب

ولو اخترنا نموذجا مشهورا للصبر على الابتلاء بالمرض فما من مسلم إلا ويتذكر النبي أيوب عليه السلام الذي ابتُلي بالمرض سنوات حتى تخلى الناس عنه إلا زوجته،، فكان صابرا متضرعا لله بالدعاء: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]، وما لبث أن شفاه الله ورد عليه عافيته وأهله ليبقى مثالاً خالدًا على أن المرض لا يقهر روح المؤمن ما دام قلبه معلقًا بربه،.

وأما الابتلاء في الدين فإن المسلم يحفظ منذ سنوات الدراسة الأولى قصة بلال بن رباح رضي الله عنه، حين أُلقي في رمضاء مكة ووُضِع الحجر على صدره وهو يلهج بقول: "أحدٌ أحد"، فلم تزعزعه سياط المشركين ولا وطأة العذاب، بل زادته ثباتًا ورفعة، ليبقى رمزًا لمن يجعل العقيدة أغلى من حياته،

وفي عصرنا ونحن نشاهد أخبار المسلمين المستضعفين في فلسطين وتركستان وبورما نرى فيهم أعجب نماذج الصبر وتفويض أمرهم لله رغم خذلان العالم لهم، لكنك لا تسمع من أغلبهم إلا عبارات الحمد والتوكل على الله واليقين بأنه لن يضيعهم أبدا

ولئن تأمل الإنسان كتب أدب السجون سيجد فيها ما لا يحصى عجائب مواقف الصبر واليقين والتفاؤل ، ومن أصدق الأمثلة على يقين السجين المؤمن بفرج الله ما رواه الشيخ فايز الكندري عن تجربته في معتقل غوانتنامو إذ يقول:

"كنت أكتب الساعات الطوال لأسابيع وأشهر حتى اسود ظفري وسقط بسبب صغر حجم القلم الذي تصعب الكتابة به، رآني بعض المعتقلين منهمكاً في الكتابة فقال مازحاً: لمن تكتب؟ هذه رواية وليست رسالة!! قلت: هي كذلك. قال: أنت تمزح!! وهل تظن أنك ستخرج من هذا البئر الذي وقعنا فيه؟ ألم يخبرك الأمريكان أنك لن تخرج من هذه الجزيرة إلا جثة هامدة؟؟ قلت: ومن قال لك أن مفتاح فرجي بيدهم؟ والله ما شككت بالفرج طرفة عين، سأخرج بقوة الله وأملا صدري من نسيم الحرية وسأعانق والدي، وسأكمل هذا الكتاب، وأسميه بإذن الله (البلاء الشديد والميلاد الجديد).

لقد قررت كتابة هذا الكتاب بل وتحديد اسمه منذ الشهر الأول من قدومي المعتقل، في مايو سنة (2002)، لكني لم أتوقع حينها أن هناك أربعة عشر عاماً قادمة مُترَعة بالآلام تنتظر مكانها في الكتاب!! كنت موقناً بالفرج، يكفيني أن بعد اليوم غداً، ولما يكن في نهاية النفق بصيص أمل، لكني شممت أريجه قبل رؤيته، وهبّت علي نسائمه قبل معاينته، فأيقنت بقدومه قبل لقائه. (2)

وهكذا نجد أن التاريخ بأسره من قصص الأنبياء إلى تجارب الصحابة والعلماء والأحرار يردد حقيقة واحدة: أن البلاء قدرٌ محتوم في مسيرة الإنسان، لكنه لا يكون أبداً طريقًا إلى الفناء إذا حافظ القلب على بذور الإيمان حيّة. فإذا ما هطلت عليها أمطار الرحمة واليقين، أزهرت كما تزهر صحراء أتاكاما بعد سنوات من الجفاف، وعاد القلب إلى الحياة من جديد ،

إذن على الإنسان أن يتأمل هذه النماذج وغيرها مما يزخر به التاريخ من قصص الماضي وأخبار الحاضر ، وبذلك سيحتفظ بمخزون ثمين من بذور الصبر التي سيجدها في أوقات الابتلاء،

ففي أعماق النفس المتصدعة تتوارى بذور العزم والرجاء والطموح والهِمّة العالية، تنتظر رحمةً من ربّها وسُقيا من فضله، فإذا أنزل عليها غيث الهداية اهتزّت وربَت، وإذا ببصيرة المؤمن تستنير فتُذكّرُه بدوره العظيم في الحياة الدنيا..

حينئذ تتفتح أزهار اليقين في قلبه، فتغطّي تشققات اليأس حتى تكاد تمحوها، ولا ضير إن بقي شيء منها ظاهرًا.. فهو عُدّة الجهاد، وابتلاءٌ به يتمّ التمحيص، وبه تُعرف مراتبُ السائرين إلى رب العالمين..

﴿الۤمۤ ۝١أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن یُتۡرَكُوۤا۟ أَن یَقُولُوۤا۟ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا یُفۡتَنُونَ ۝٢ وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَیَعۡلَمَنَّ اللهُ ٱلَّذِینَ صَدَقُوا۟ وَلَیَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَـٰذِبِینَ ۝٣ أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِینَ یَعۡمَلُونَ ٱلسَّیِّـَٔاتِ أَن یَسۡبِقُونَاۚ سَاۤءَ مَا یَحۡكُمُونَ ۝٤ مَن كَانَ یَرۡجُوا۟ لِقَاۤءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَـَٔاتࣲۚ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ ۝٥ وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا یُجَـٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦۤۚ إِنَّ اللهَ لَغَنِیٌّ عَنِ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾

 [العنكبوت].

✒️ زهيرة بودهان

المصادر:

القرآن الكريم

(1)قناة مخلوقات

https://t.me/Creatures0/408

(2)فايز الكندري. البلاء الشديد والميلاد الجديد. ص 14 . ط3. مركز طروس للنشر والتوزيع. 2021م