- 02 يوليو 2026
- سيد كريم الموسوي
- قصص قصيرة
- 0 التعليقات
- 13 المشاهدات
في الكتب القديمة يقال إن مدينة طيبة الإغريقية شهدت يومًا مأساة امرأة اسمها أنتيغون، وقفت وحدها في مواجهة سلطة الملك لأنها رأت أن كرامة أخيها الميت أعلى من أوامر الحاكم. ومنذ ذلك الزمن البعيد ظل المؤرخون يتحدثون عن تلك الفتاة التي آثرت أن تدفع ثمن موقفها باهظًا على أن تتخلى عن قناعتها.
غير أن المآسي لا تولد مرة واحدة، ولا تموت بانتهاء أصحابها. إنها تنتقل من عصر إلى آخر، وتبدل أسماءها وأماكنها فقط.
ولهذا فإن ما جرى في جنوب العراق سنة ١٩٨٢ لم يكن بعيدًا عن روح تلك الحكاية القديمة.فبعد انتكاسة (خرمشهر) واستهزاء با الهزيمة المذلة.
تحول إلى كاسر وحش .
كان العراق يعيش سنوات مضطربة، وكانت المدن الجنوبية تتنفس الخوف بصمت. في تلك الأجواء اعتُقل مدرس جغرافية في إحدى قرى ذي قار النائية. لم يكن قائدًا عسكريًا ولا صاحب نفوذ، بل رجلًا عرفه تلاميذه هادئًا، يقضي نهاره بين الخرائط والأنهار والجبال.
وبعد أيام قليلة اعتُقلت زوجته هي الأخرى، وكانت تعمل مدرسة لمادة الجغرافية أيضًا.
في تلك اللحظة بدأت المأساة.
لكن أحدًا لم يكن يعلم أن نهايتها ستكون أكثر قسوة من بدايتها
في قضاء الفهود، وبين القصب والبردي، كان أكرم يعيش مطاردًا.
كان يحمل حكمًا بالإعدام، ولذلك أصبح الاختباء جزءًا من حياته اليومية. لم يعد يميز بين الليل والنهار، ولا بين الأيام والشهور. كل ما كان يهمه هو البقاء حيًا.
ومع ذلك لم يكن يستطيع أن يمنع نفسه من التفكير بقومه و بخاله.الذي يحبه
كانه روبرت هود المطارد في غابات بريطانيا.
كان يستعيد صورته دائمًا؛ الرجل الذي كان يحمل حقيبته المدرسية صباحًا، ويحدث أبناء العائلة عن تضاريس العراق وأهواره وأنهاره.
مرت الأسابيع ثقيلة.
ثم تحولت إلى شهور.
ثم أصبح العام كله كتلة واحدة من الانتظار.
وأخيرًا جاء الخبر.
أُطلق سراح الزوجين.
للحظة شعر أكرم أن القدر قد رقّ لهما أخيرًا.
غير أن الفرح لم يعش طويلًا.
فبعد يومين فقط وصل خبر آخر.
خبر جعل كل ما سبقه يبدو صغيرًا أمامه.
لقد انتحر خاله.
جلس أكرم صامتًا.
أعاد سماع الجملة مرات عديدة.
كان عاجزًا عن فهمها.
كيف ينجو إنسان من السجن ثم يختار الموت بيده؟
ظل السؤال يطارده أيامًا طويلة.
وفي النهاية قرر أن يبحث عن الجواب بنفسه.
كان يعلم أن خروجه من مخبئه قد يعني القبض عليه، وربما إعدامه.
ومع ذلك غادر الفهود قبل الفجر.
كانت الطريق إلى الناصرية طويلة.
والمدينة ما تزال نائمة حين وصل إليها.
وقف أمام البيت الذي عرفه منذ طفولته.
طرق الباب برفق.
انتظر.
لم يجب أحد.
قفز فوق الجدار ودخل الفناء.
ثم نادى بصوت خافت:
ـ علاوي... يا علاوي...
وبعد لحظات خرج فتى في السادسة عشرة من عمره.
كان علي ابن خاله.
تعانقا طويلًا.
ولم تكن الدموع بحاجة إلى تفسير.
فالأحزان الكبيرة تعرف طريقها إلى العيون دون استئذان.
جلسا في الديوانية.
وبعد قليل دخلت أم علي.
نظر إليها أكرم مطولًا.
لم يتعرف عليها بسهولة.
كانت مختلفة تمامًا.
وجه شاحب.
عينان غائرتان.
وصمت يشبه الخراب.
تبادلوا الأسئلة المعتادة.
لكن أكرم لم يكن يسمع شيئًا.
كان يبحث عن جواب واحد فقط.
وأخيرًا سألها:
ـ لماذا فعلها؟
لم تجب.
كرر السؤال.
ثم أعاده مرة ثالثة.
عندها انكسرت.
وأخذت تبكي بصمت.
كان بكاؤها أشبه بباب قديم فُتح بعد سنوات طويلة من الإغلاق.
ومن بين كلماتها المتقطعة بدأت الحقيقة تظهر.
حقيقة ثقيلة إلى درجة أن جدران البيت نفسها بدت عاجزة عن حملها.
وحين انتهت من الحديث شعر أكرم أن الأرض تميد تحت قدميه.
لقد فهم الآن سبب انتحار خاله.
وفهم أن بعض الجراح لا تستطيع الأرواح الهشة احتمالها.
خرج من البيت.
كان الشارع هادئًا.
لكن داخله كان يعج بالعواصف.
راح يسير بلا هدف.
وفي كل خطوة كان يشعر أن شيئًا ما يتغير داخله.
تذكر أنتيغون فجأة.
كان قد قرأ عنها قبل سنوات.
وتذكر كيف وقفت أمام السلطة لأنها رفضت أن تتخلى عن واجبها الأخلاقي.
لم تكن أنتيغون تسعى إلى النصر.
بل كانت تبحث عن معنى للكرامة.
وأكرم وجد نفسه يسأل:
هل يمكن للإنسان أن يعيش بعدما يرى كل هذا الظلم؟
وهل يكفي الحزن وحده؟
أم أن المأساة تفرض على بعض الناس أدوارًا لا يختارونها؟
عاد إلى الفهود.
لكنه لم يعد الشخص نفسه الذي غادرها.
أخبر عمه أنه ينوي مغادرة العراق.
بدا الأمر منطقيًا.
فالمطاردة مستمرة.
والخطر يزداد يومًا بعد آخر.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
فقد كان قد اتخذ قرارًا آخر.
قرارًا ولد من رحم الغضب والحزن معًا.
وبعد أيام قليلة غادر متجهًا نحو السماوة.
وصل المدينة متخفيًا.
استأجر غرفة بسيطة.
وكان يراقب المكان بصبر.
كان يعرف الاسم الذي يبحث عنه.
ويعرف الحي الذي يقصده.
لكنه لم يكن يعرف متى سيصل إلى هدفه.
وهكذا بدأت أيام الانتظار.
وكانت كل ساعة تمر عليه أطول من التي قبلها.
الصفحة (٧)
تحولت المراقبة إلى روتين يومي.
يخرج صباحًا.
ويعود مساءً.
يتابع التفاصيل
الصغيرة.
ويتأكد من المعلومات التي جمعها.
وكان كلما اقترب من الحقيقة ازداد شعوره بثقل ما يحمله.
في بعض الليالي كان يسأل نفسه:
ماذا سيحدث بعد ذلك؟
هل ستنتهي المأساة؟
هل سيعود خاله؟
هل ستشفى الأرملة؟
وكان الجواب يأتيه دائمًا بالصمت.
فالتراجيديا لا تقدم حلولًا.
بل تترك أصحابها يتخبطون بين الألم والندم.
ومع ذلك استمر.
لأنه لم يعد قادرًا على العودة إلى الوراء.
وفي مساء بارد من كانون الأول عاد الرجل سارق الاحلام .يلبس (الخاكي) كان يراقبه منذ أسابيع.
رآه أكرم من بعيد.
وعرف أن اللحظة التي انتظرها قد جاءت.
تسارعت نبضات قلبه.
وتداخلت في ذهنه صور كثيرة.
صورة خاله.
وصورة الأرملة.
وصورة البيت الحزين في الناصرية.
وصورة أنتيغون وهي تمضي نحو مصيرها لأنها لم تستطع أن تتخلى عن قناعتها.
كانت لحظة فاصلة.
لحظة ينتهي فيها الانتظار.
ويبدأ فصل جديد من الحكاية.
توسل (با الفرد ) الذي يحمله بيده بقوة
إن لاتخذله الرصاصات.
أطلق رصاصة العداله . والقانون .والشرف.
وبعد دقائق قليلة أصبح كل شيء خلفه.
ولم يبق أمامه سوى الهروب.
عاد إلى الناصرية.
وكان التعب بادياً على وجهه.
مر ببيت خاله للمرة الأخيرة.
أخبر الأرملة بما حدث.
لكنها لم تبدُ سعيدة.
ولم تبدُ مرتاحة.
بل ظلت صامتة.
فقال:(سبق السيف العذل)
عندها أدرك أكرم شيئًا مهمًا.
أن العدالة المتأخرة لا تمحو الألم.
وأن الثأر لا يعيد الموتى.
وأن بعض الجراح تبقى مفتوحة مهما حدث.
خرج من البيت وهو يشعر أن الحزن ما يزال في مكانه.
لم يتغير.
لم يختفِ.
ولم ينتهِ.
بعد مدة قصيرة غادر العراق.
تنقل بين بلدان عديدة.
عبر الحدود.
ورأى مدنًا كثيرة.
وتعلم أسماء جديدة للشوارع والناس.
لكن الذاكرة بقيت أقوى من المسافات
وبقى الطين الحري عطره المفضل
ومع مرور السنوات كأنه يعود إلى تلك الأيام كلما جلس وحيدًا.
لم يكن يتذكر المطاردة.
ولا المنافي.
ولا الرحلات الطويلة.
بل كان يتذكر بيتًا صغيرًا في الناصرية.
وأرملة أنهكها الحزن.
ورجلًا لم يستطع النجاة من جراحه.
وحكاية بدأت باعتقال وانتهت بمنفى.
وهكذا التقت المأساة العراقية بمأساة أنتيغون القديمة. لأن الوجه واحد
والإنسان واحد.
ففي كلتيهما يقف الإنسان أمام سلطة أكبر منه.
وفي كلتيهما تصبح الكرامة أثمن من الحياة نفسها.
وفي كلتيهما لا يكون السؤال الحقيقي: من انتصر؟
بل: كم كان الثمن الذي دُفع من أجل ألا تُنسى الحقيقة؟
وينسى الطغاة.تحت مسمى
(الزمن الجميل)
وهكذا يبقى التاريخ، مهما تغيرت الأزمنة، كتابًا واحدًا تتكرر فيه المآسي بأسماء مختلفة، بينما يظل الإنسان يبحث عن العدالة بين صفحات الألم والذاكرة.التي اخذت تختفي لأجيال يحمد الله قياما وقعواد وعلى جنوبهم
انهم لم يخلقوا في ذلك الزمن الجميل؟!
FACEBOOK
Google
التعليقات (0)
لا تعليقات بعد