- 20 أغسطس 2026
- مُبارك المخيني
- إبداع
- 0 التعليقات
- 4 المشاهدات
شعور الاختباء لا يأتي بسهولة وأنت محاط بأفراد أسرة تجاهد لتكون "طبيعية" و"صحية"، يصاحب الاختفاء مجهودٌ في تأكيد الحضور، ولو كان حضورًا باهتًا كالجلوس في صالة البيت ممسكًا بكتاب تقرأه... كنت بينهم وغريبًا عنهم.
أحسستُ دائمًا بأن وجودي عارض في هذه البقعة من الأرض.في مسقط، كل الشوارع موحشة، والبيوت مغلقة، وكل شيء يبثُّ في جلدي شعورًا داكنًا بالاختفاء، لهذا ربما بدأت مشاعر جديدة تعتريني في الآونة الأخيرة حين يجتمع إخوتي كلهم في بيتنا. يأتون كل جمعةٍ من "المعبيلة" و"بركاء" رغم الزحام الشديد والجو الحار إلى بيتنا في الخوض. كلّ هذا لتلبية طقس عائلي لا يحبه أبي.
كنتُ قد تأخرتُ عنهم في المجيء إلى هذا العالم،في هذا البيت المليء بالبشر. خرج إخوتي وبعض أخواتي بعد أن تزوجوا وأنا صغير، لهذا أصبح ظلّي ثقيلًا في الوقت الذي كبرت فيه، كأن ظلي أكبر مني بأعوام عديدة.
عايشت هذا المنزل وهو فارغ من الحياة. حفظت صمته، وحادثت جدرانه التي حملت أصوات أجيال قبل أن أغادر طفولتي. لذلك كان غريبًا عليّ أن يكون ممتلئًا بالكثير من المشاعر والأطفال هكذا فجأةً.
شعور الاختباء لا يأتي بسهولة وأنت محاط بأفراد أسرة تجاهد لتكون"طبيعية" و"صحية"، يصاحب الاختفاء مجهودٌ في تأكيد الحضور، ولو كان حضورًا باهتًا كالجلوس في صالة البيت ممسكًا بكتاب تقرأه في حين يصدح التلفاز بآياتٍ من القرآن طيلة الوقت. وأمي تحاول، دون أن تحاول، أن تجمع هذا البيت المتناثر بابتسامتها وطريقتها في الصلاة.حتى أبي في سبيل تأكيد حضوره انتحى زاوية في صدر الصالة، أصبح الجميع يعرف أن الجلوس فيها محرّم على الجميع عداه.
كنتُ أعرف أن وجودي في تلك الصالة لا يرتجى منه شيء، لا قيمة تذكر له. كنت بينهم وغريبًا عنهم.كان قلبي ينبض بسرعة شديدة حين تلمح عيناي أبي ينظر إليّ بنصف عين.عندها لا أركّز في الكلمات التي تتراقص أمام عيني، وأنسى ما هو الكتاب الذي بين يدي، أو لماذا أقرأ من الأساس.
أعلم أن هذا البيت لا يشبهني، وأنا بدوري لا أشبهه. لا يجاري إيقاعي فيما يشبه الحياة التي أعيشها. ومع ذلك، هو المكان الذي تمخَّضت فيه كل آلامي وذاكرتي المليئة بالظُلمة، تلك الذاكرة التي يشوبها الكثير من الصراخ.أحب هذا البيت، وأخاف أنه لا يحبني بعد كلّ هذه السنوات.
لم أكن أريد لوم المنزل الذي أحتضن ظلّي الثقيل. لم يفوتني أن كل فرد من هذه العائلة يخبئ خلف قشرة جلده طبقات كثيرة من الأسرار. ربماهذا ما يساعد على تسهيل هذه الحياة قليلًا، ويسهّل لمس جدران هذا البيت.
عرفت مثلًا، في ليلة كنت أرافقها للتسوق في سوق الخوض، أن أختي تحبُّ أحدًا بصدق. كانت تسألني عن حياتي العاطفية، وما إذا كان الحب واحد، أم كثير.قلت لها إنه واحد، ولا يمكن أن يتغير هذا الأمر. سكتت بعد ذلك. شعرتُ أن سكوتها موافقة لي، أنحُبها واحدٌ أيضًا، مثلي.
عرفت أيضًا أن جميع أخوتي حين تزوجوا كان هروبهم من هذا المكان جزءً كبيرًا من قرارهم. وكنت أعلم أيضًا أن أبي يهادن نفسه دائمًا لينسى شيئًا قابعًا في روحه. وأمي تحاول مسح ذاكرة بعيدة في رأسها.
لكنني لم أفهم يومًا لماذا أشعر أنه عليّ أن أكون شخصًا آخر في صالة البيت.لماذا يتعين عليّ خوض معارك يوميّة لأحصل على دعوة من أمي وملمحُ رضىً من أبي؟ماذا عن دعوة قلبي التي لم تتحقق بعد؟ وماذا عن رضا شياطيني التي، بكل وضوح، ليست راضية بجغرافية رأسي هذا، وكأنه لا يسعها جميعًا، وكأني أنا الضيف وهم أصحاب رأسي.
في مساء ذلك اليوم، تجمّع إخوتي حولي. جلس أكبر إخوتي أحمد أمامي، وسالم بجانبي الأيمن. كان أبي قد أرسلهم ليعاتبوني حول أسلوب حياتي. ما زلت لا أفهم عدم مواجهته لي. قالوا لي أنني، رغم كل شيء، لم أفِ بواجبي الكونيّ المطلوب لأكون فردًا من هذه العائلة. شعرتُ وقتها أن يدي بدأت بالارتجاف ولم أستطع التحكم بعيني، كنتُ على وشك البكاء.كنت أستمع لهم وأشعر أننا نتحدث بلغات مختلفة. هل ستصل كلماتي لهم؟ لم أعلم.
قال أحمد أن تضحية بسيطة منّي كفيلة بأن يتحسن الوضع. لكنيلم أعرف كيف أصنع تمويهًا لمجابهة الرفض والتنكر المستمر منهم. حاولتُ أنأعمل في وظيفتين مختلفتين تمامًا لإرضاء طرفين، لكن ذلك كان يهلك غضاريف روحي.في هذا المكان، من الصعب ارتداء معطف يخفي نصف وجهي ونصف ماهيّتي التي لم أستطع تداركها بعد.
تذكرتُ ياس في روايةماريكا لوكاس رينفيلد "قلق الأمسيات". كانت طفلة تعامل الرعونة والعنف ببراءةٍ يقشعرّ لها بدنها نفسه المغطى بالمعطف الشتوي.تمكنت ياس منبذل مجهودٍ عكسيٍّضد كل تلك الغرابة في الأسرة، مواجِهةً بذلك قلقها وخوفها وفقدانها، فنحن "نصبح على طبيعتنا عندما نشعر بالقلق".
ربما طبيعتها تتجسّد في إخفاء نفسها خلف ذلك المعطف الأحمر.أما أنا، فلم أعثر على معطف يناسب قياسي إلى الآن.
كنت أتساءل: ماذا لو كان المعطف كيانًا يحمل معه نيات ليست محسوسة؟ ماذا لو كان هدف المعطف أن يكون جزءً مني إلى ما لا نهاية؟ أن يصبح طبقة جلدٍ إضافية، وجودها مطمئِن، ونزعها يكون مؤلمًا؟ "ربما تخرج فتاة كبيرة من داخلي، وتتحرر من مخاوفها، فتاة اختبأت فترة طويلة تحت طبقتين.. جلدي ومعطفي".
لكنني لم أكذب يومًا على سؤال وُجه لي في هذا البيت. آثرتُ الانعزال على أن أضطر للكذب في سبيل الانسجام فقط. لم أجد معطفًا ولا قناعًا اختبئ خلفه. أصبحت عزلتي لاحقًا كذبة من نوع آخر،وما زلت أحاول التنقيب عن كيفية تصحيحها.
حاولتُ، صدقوني حاولت. لكن وطأة الجمع المتماسك على الفرد المستوحد تقصم الظهر، وأحيانًا تجبرك على الاستسلام. تساءلت مرة أخرى: ماذا لو قررت فجأة أن أصبح ما يريده الجميع؟ أمشي متتبعًا خطى مسار مرسوم قبل أكثر من قرن، وأنا فاغر فمي وفارغ من الأقنعة؟
ثم تذكرت كلمات فرناندو بيسوا: "أنا المسافة بين ما أريد أن أكونه وبين ما فعله الآخرون بي".فهمت. إن الآخرين يفعلون بنا ما لم نجرؤ أن نفكّر به بين أنفسنا.أن تلك المسافة، رغم أنها تبدو شاسعة، تحمل شطرًا من الخيال المحض في واقعٍ كله خيال.ما هي المسافة الفاصلة بين وجهي والقناع الذي قد يكمن فيه خلاص هذا الشجن؟ربما هي مسافة حُلمين، وجناح ملاك في أفقٍ بعيد لم أقبض عليه بعد.لا أدري.
عدتُ إلى غرفتي بعد جلسة عذابٍ أخرى. تذكرت أنه بيسوا ذاته هو من كنت أقرأه حينها، في الصالة. وجدت معطفًا معلقًا لم ألبسه من سنين لأن الشتاء لطيفٌ معنا هُنا. سمعتُ همهمات من إخوتي وأبي في الأسفل، بينما ظل المعطف يحدّق فيّ.
FACEBOOK
Google
التعليقات (0)
لا تعليقات بعد