- 10 يوليو 2026
- إبراهيم باجس عبد المجيد المقدسي
- ثقافة
- 0 التعليقات
- 37 المشاهدات
وهل للحبر طريق يسير عليه الناس، أو نسير نحن عليه؟
حقًّا هو عنوان لافت في هذه المقالة. وقبل ذلك كان عنوانًا لافتًا في ملتقى علمي دولي نظمته وزارة الثقافة والفنون الجزائرية يومي 14-13 من شهر يونيو من هذا العام 2026. وقد تشرفت بالمشاركة فيه، وتقديم ورقة علمية عن مخطوطات علماء الجزائر في مكتبة الحرم المكي الشريف.
استهواني هذا العنوان، بل هذا الطريق، وعادت بي الذاكرة إلى خمس عشرة سنة خلت، حيث سلكتُ هذا الطريق أول ما سلكتُ في الجزائر الحبيبة، وكان ذلك عام 2011 من تلمسان، حيث كانت البداية، عندما اختيرت عاصمةً للثقافة الإسلامية. ورأيت في هذه المدينة الرائعة عبق التاريخ وعبق التراث، بل عبق تراثها الذي تركه علماؤها في جنبات بيت المقدس ومحاضنه العلمية، حيث تحدثتُ عن أثر علماء هذه المدينة العريقة في الحياة العلمية في بيت المقدس وفلسطين عمومًا.
ثم تتابع السير في طريق الحبر، أو طريق التراث، وسِرتُ في دروبه، ما بين سواحل الجزائر شمالًا وصحاريها جنوبًا، وسهولها في الشرق والغرب. فكان المسير في طريق الحبر إلى مدينة قسنطينة، حيث سرت على جسورها المعلَّقة، ومنها كان المسير إلى جبال الأوراس الشَّمَّاء، فحلَّ بنا المطاف في ولايات باتنة وخنشلة، مرورًا بولاية أم البواقي، التي سرتُ بمحاذاتها وتمنَّيت لو دخلتها وزرتُها والتقيت بأهلها، فلهم في بلدي فلسطين أثر وأيُّ أثر، ففيها أنشؤوا القرى والبلدات، وعلى ثراها أريقت دماؤهم في الدفاع عنها، وفيها دُفن الكثير من أبنائها وشهدائها.. وعسى الله يكتب لي زيارتها قريبًا.
وكان المسير على طريق الحبر إلى جبال جرجرة حيث مدينة بجاية... ومنها تتابع السير إلى وهران، ثم تلمسان مرة أخرى، ومنها إلى ورقلة فتيميمون، ثم أدرار، حيث حللتُ فيها بضعة أيام.
ويتكرر السير في طريق الحبر، فأمشي فيه على طريق غرداية ثم إلى صحراء إليزي جنوبًا حيث نقترب من حدود ليبيا، ومنها إلى عين أميناس حيث حقول الغاز.
وكان للشرق الجزائري نصيب من السير على طريق الحبر فيه، فكانت الرحلة إلى وادي سوف القريبة من الحدود التونسية.
وكان مُبتدأ السير في هذا الطريق في كل مراحله هو العاصمة الجزائر. وكانت لي في كل محطة من محطاته حكاية بل حكايات جميلة، عسى الله أن يعينني على تدوينها.
وأكتب في هذه المقالة المختصرة عن رحلتي الأخيرة، وسيري في طريق الحبر، حيث كانت دعوة كريمة تلقيتها من وزارة الثقافة والفنون الجزائرية للمشاركة في هذا الملتقى الدولي الكبير، الذي أشرت إليه في مطلع المقالة. وأجد من الواجب تسجيل انطباعي، وربما انطباع زملائي المشاركين في هذا الملتقى، الذين حضروا من كثير من الدول العربية والإسلامية وكذلك الغربية، فضلاً عن المشاركين من الجزائر نفسها. فكان الحضور من الأردن ومن مصر ومن موريتانيا، ومن تونس، ومن الباكستان، ومن فرنسا، وغيرها من الدول.
وأول ما أُسجِّله من انطباعات على هذا الملتقى: أنه كانت تحت الرعاية السامية للسيد رئيس الجمهورية. وقد شاركت قبل ثلاث سنوات في ملتقى دولي كبير، هو (ملتقى الإمام المغيلي)، وكان أيضًا تحت رعاية رئيس الجمهورية. وهناك العديد من الملتقيات العلمية والثقافية التي تُعقد في الجزائر تحت رعاية الرئيس نفسه. وهذا ما يعكس الاهتمام بالعلم والثقافة من أعلى المستويات في الحكومة الجزائرية.
وثاني ما أذكره، وهو مبني على الانطباع الأول: هو الاهتمام الكبير والمتابعة الحثيثة من معالي وزيرة الثقافة والفنون، الدكتورة مليكة بن دودة، التي حرصت على متابعة مجريات هذا الملتقى قبل انعقاده حتى الانتهاء منه ليكون من أنجح الملتقيات العلمية، وكانت كلمتها الافتتاحية ثم الكلمة الختامية تنمُّ عن ثقافة واسعة وبلاغة قوية وأسلوب جزل في الخطاب.
ولكون هذا الملتقى الدولي أقيم بالمشاركة والتعاون بين وزارة الثقافة والمكتبة الوطنية الجزائرية، فقد كان حضور القائمين على المكتبة لافتًا أيضًا، وعلى رأسهم مديرها العام الأستاذ منير بهادي، الذي لم يكن يغادر قاعة الملتقى لحضور الجلسات العلمية فيها، والالتقاء بالمشاركين من الجزائر وارج القطر الجزائري.
وكذلك الدكتورة فطومة بن يحيى، رئيسة مصلحة المخطوطات والمؤلفات النادرة في المكتبة، التي كانت دائمة التواصل مع المشاركين قبل انعقاد الملتقى وإرسال الدعوات لهم وتأمين سفرهم وإقامتهم في العاصمة الجزائر. واستمر تواصلها وخدمتها للمشاركين حتى انتهاء الملتقى.
وثالث هذه الانطباعات التي لا بد من ذكرها، هو الاختيار الموفَّق لمن كان يقوم على خدمة المشاركين في الملتقى، وهي الأستاذة نورة عطيو، فقد كانت بمفردها خلية نحل، دائمة الحركة، ليلًا ونهارًا، لا تتوانى عن خدمة ضيوفها، وتلبية طلباتهم بكل أريحية ورحابة صبر، ومن دون تذمُّر، وقد قوبل حًسن تعاملها مع المشاركين بكل شكر وامتنان وعِرفان.
ورابعها هو الاختيار الموفق لموضوعات الملتقى ومحاوره، أُجمِلها فيما يأتي:
المحور الأول: المخطوطات وذاكرة الأمة
المحور الثاني: آليات حفظ المخطوط وصونه
المحور الثالث: الإبداع الفني في تدوين المخطوطات
المحور الرابع: رقمنة المخطوطات وتقنيات الإتاحة
المحور الخامس: تطبيق الذكاء الاصطناعي على المخطوطات.
وقد أثرى الأساتذة الباحثون من الجزائر ومن خارج الجزائر هذه المحاور في أطروحاتهم ومداخلاتهم التي قدموها خلال يومي الملتقى.
وخامس هذه الانطباعات: أن هذا الملتقى، وغيره من الملتقيات، فضلاً عن الفائدة العلمية التي تنتج عنه، فإنه يكون حلقة وصل بين الباحثين من مختلف المدن ومن مختلف الأقطار والأمصار، وبل ربما تكون الفائدة من هذه اللقاءات توازي الفائدة التي تقدمها البحوث والأوراق العلمية المقدَّمة في الملتقى.
وأختم بانطباع سادس، وإن كان هناك الكثير مما يمكن أن يُكتب ويقال... وأشير فيه إلى الحضور الإعلامي الكبير من وسائل الإعلام الجزائرية المختلفة، من صحافة وإذاعة وتلفزة ومواقع إلكترونية، الحكومية منها والخاصة. وهذا يعكس الاهتمام الحكومي بإنجاح الملتقى، وهذا بالفعل أسهم كثيرًا في إنجاحه. وقد كان لي عدة مشاركات ولقاءات إعلامية تلفزيونية وإذاعية وغيرها.
وكان من حسنات هذا الملتقى اجتماعي بعدد كبير من الأساتذة الباحثين والمفكِّرين، من مختلف الأقطار، لا تتسع هذه المقالة للحديث عنهم جميعهم، منهم المؤرخ الجزائري الدكتور عبد العزيز فيلالي، فأُسطِّر في سيرته هذه الكلمات:
فهو من المؤرخين البارزين في الجزائر، وممن كتاب في تاريخه الحديث مؤلفات عدَّة.
ولد الدكتور عبد العزيز فيلالي سنة 1944 .
تعود أصول عائلة الفيلالي إلى منطقة تافيلالت (واحة سجلماسة) في الجنوب الشرقي للمغرب. ويرتبط هذا اللقب جغرافياً بهذه المنطقة التاريخية العريقة، وقد انتشرت العائلة في مختلف دول المغرب العربي، خاصة في المغرب والجزائر وتونس.
ينتمي جزء كبير من العائلات الفيلالية إلى الأشراف العلويين الأدارسة الذين وفدوا من شبه الجزيرة العربية واستقروا في تافيلالت، وهم من نسل الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
يشغل الدكتور عبد العزيز فيلالي حاليًّا منصب رئيس مؤسسة الإمام عبد الحميد بن باديس التي تهتم بثرات الحركة الإصلاحية ورجالها. كما كانت له بالموازاة مع ذلك مهام سياسية لبناء الدولة والمجتمع من خلال مجالس محلية ووطنية، وكذلك المجلس الأعلى للقضاء.
وقد أثرى المكتبة الجزائرية بمجموعة من المؤلفات؛ منها:
• الحضور الجزائري في المشرق العربي. (وكان هذا الكتاب من مصادري المهمة في تأليفي لكتاب تاريخ الجزائريين في بيت المقدس وفلسطين).
• تلمسان في العهد الزياني
• العلاقات السياسية بين الدولة الأموية في الأندلس ودول المغرب.
• مجمل تاريخ قسنطينة.
• مدينة ميلة في العصر الوسيط.
• جرائم الجيش الفرنسي في مقاطعتي الجزائر وقسنطينة.
• موقف القادة الفرنسيين من التحررية ورد فعلهم بين 1954_1956
• عبد الحميد بن باديس: مرحلة التحصيل والتكوين
• اعتداء اليهود على أهل قسنطينة سنة ١٩٣٤: أبعاده الصهيونية وردة الفعل الوطني والعربي
بارك لله في عمر هذا العالم الجليل ونفع الجزائر والأمة بعلمه
وفي جنبات قاعة الملتقى كان لقائي ببعض علماء الجزائر أيضًا، ومنهم صديقنا العالم الدكتور ماحي قندوز النَّدرومي التلمساني، الذي تعود صلتي به إلى سنوات خلت، كنا نتبادل الحديث والرسائل والاتصالات الهاتفية، ثم التقيته في المعرض الدولي للكتاب في الجزائر قبل سنتين، وتجدَّد الاجتماع به في هذا الملتقى العلمي، وأهداني تحقيقه لكتاب مناقب التلمسانيين، من تأليف عبد الله بن يوسف التلمساني، وهو من علماء القرن الثامن الهجري.
وأجد لِزامًا عليَّ في هذا المقام أن أذكر عالِمًا كبيرًا من علماء ندرومة، وهو المحدث الكبير محمد بن محمد بن يحيى الندرومي، الذي عاش في القرن الثامن الهجري، وقدم إلى بيت المقدس، واستوطن فيه جُلَّ عمره، ونشر العلم في جنبات المسجد الأقصى وما جاوره، وتخرَّج على يديه الكثير من العلماء، نجد ذكرًا لكثير منهم في (الثَّبَت) الحديثي الذي ألَّفه، وهو مطبوع عن نسخة نفيسة بخط الندرومي نفسه، عليها أيضًا خطوط كثير من علماء عصره.
وكان لفلسطين نصيب من هذه الزيارة، حيث التقيت بصديقنا الإعلامي الأديب الأستاذ علي حمادوش، الذي قدَّم برنامجًا تلفزيونيًا تحت عنوان (جزائريون مرُّوا بفلسطين)، ذكر فيه مجموعة من رجالات الجزائر الذين زاروا فلسطين، أو كان لهم أثر فيها، قديمًا وحديثًا. وقد أذيع هذا البرنامج على عدة حلقات وفي أكثر من سنة، عبر فضائية (الأنيس)، التي أحزنني خبر الإعلان عن إغلاقها في الآونة الأخيرة. وقد حوَّل الأستاذ علي حمادوش برنامجه هذا إلى كتاب مطبوع، ثم طبعه مرة أخرى في منظومات شعرية، قدَّم لها العالم الجزائري الكبير الأستاذ محمد الصالح الصِّدِّيق.
ومِمَّن التقيت أيضًا في هذه الزيارة الميمونة: الداعية والمفكر الجزائري الدكتور أبو جرَّة سلطاني، الذي تفضل بزيارتي مرتين في إقامتي بالفندق، واستصحبني في إحداهما إلى جولة في العاصمة على ضفاف شواطئها، وتحديدًا إلى شبه جزيرة سيدي فرج الواقعة غرب العاصمة الجزائرية، وهو المكان الذي دخلت منه قوات المستعمر الفرنسي إلى الجزائر أولَ ما دخلت، وكان ذلك في يوم 14 يونيو 1830م تحت قيادة الجنرال "دي بورمون"، ومن هناك زحفت نحو مدينة الجزائر واحتلتها في 5 يوليو 1830م. وحدَّثني الدكتور سلطاني مطوَّلاً عن الاستعمار الفرنسي البغيض للجزائر، وما ارتكبه من جرائمَ يشيب من هولها الوِلدان.
كما تحادثنا والدكتور أبو جرة سلطاني وتحاورنا في هموم الأمة الإسلامية، وسبيل النهوض بها لتكون في مصافِّ الأمة وتعود إلى سالف عهدها المجيد. ولمستُ فيه بُعد النظر وعمق الفكر، ورأيت مِصداق ذلك في كتابه الذي أهداه إليُّ وعنوانه (الخطايا الأربع في تطبيقات المنهج الإيماني: خطيئة الشرك، خطيئة القتل، خطيئة الشرك، خطيئة الشهوة).
وسبق أن تشرفتُ بلقاء الدكتور أبو جرة سلطاني قبل سنة في الأردن، لَمَّا زارنا مشاركًا في مؤتمر علمي أقامه المنتدى العالمي للوسطية. وهو أحد المؤسسين الأوائل له. وقد تأسس هذا المنتدى في العاصمة الأردنية عمّان عام 2006م بمبادرة من نخبة من كبار العلماء والمفكرين الإسلاميين، منهم المهندس مروان الفاعوري من الأردن، والصادق المهدي (رحمه الله) من السودان. ويشغل الدكتور أبو جرة سلطاني رئاسة المكتب التنفيذي للمنتدى. وكان قبل ذلك رئيساً لحركة مجتمع السلم في الجزائر، وهي الفرع الجزائري لجماعة الإخوان المسلمين.
ومن محاسن هذا الملتقى أنه جمعني بصديقين عزيزين وزميلين كريمين، لم ألتقِ بهما منذ زمن طويل، بعد أن عملنا سويًّا سنوات عديدة في قسم المخطوطات بمركز الملك فيصل بالرياض، وهما خبيرا المخطوطات: الدكتور عابد المشوخي، والأستاذ عمَّار تمالت.
والدكتور المشوخي فلسطيني الجنسية، عمل سنوات عديدة في قسم المخطوطات بمركز الملك فيصل، إلى أن انتق للتدريس في جامعة الملك سعود بالرياض، وهو الآن متقاعد من الوظيفة، لكنه لم يتقاعد عن العلم والعطاء، فهو يقدم الخبرة والمشورة العلمية والفنية في مجال علم المخطوطات داخل السعودية وخارجها.
أما الأستاذ عمار تمالت، فهو جزائري الجنسية، وعالم في مجال المخطوطات وفهرستها وتحقيقها، فقد نشر عدة مخطوطات بتحقيقه. ويشغل اليوم منصب رئيس قسم المخطوطات في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.
هذا بعض ما دار في خَلَدي عن انطباعات إيجابية قدَّمها هذا الملتقى وانتفع بها عموم المشاركين.
أما على المستوى الشخصي، فقد أحسن المنظِّمون بي صنعًا أن جعلوا قدومي إلى الجزائر قبل يومين من انعقاد الملتقى ومغادرتي بعد يومين من انتهائه. وكانت هذه مبادرة جيدة يُشكرون عليها، فقد اعتدت في الملتقيات السابقة أن يكون الحضور في أيام الملتقى نفسه، فلا يكون هناك شيء من الوقت لزيارة المدينة التي أمكث فيها ولا الاطِّلاع على معالمها التاريخية والحضارية. فكان مكوثي هذه الأيام (الإضافية) فرصة ذهبية للتجوال في العاصمة الجزائر، بل وخارجها.
وكان دليلي ومرافقي في هذا التجوال هو الأخ والصديق مالك طيبي، وهو صاحب دار زاجل الكتاب، وهي الدار التي تفضَّلت بنشر كتابي (تاريخ الجزائريين في بيت المقدس وفلسطين) فيها. ورافقَنا في جولاتنا الأخَوان الكريمان الأستاذ مهدي جيدال صاحب دار عزُّوز للنشر والتوزيع ، وهي تُعنى بنشر الكتب والوسائل التعليمية للأطفال اليافعين. والشيخ عبد السلام هزيل. وكانوا، ثلاثتهم، على مستوى عالٍ من الثقافة الواسعة، ودماثة الخُلُق وحسن الأدب وجميل المعشر وكرم الضيافة، وهذا ما عهدته على إخواني في الجزائر في كل زيارة أقوم بها، وفي مختلف المدن والولايات.
وكان مُفتتَح هذه الجولة في ولاية البُلَيدة، حيث كانت زيارة مباركة لعَلم من أعلام الجزائر ومثقفيها ومفكِّريها، وهو الأستاذ الكبير محمد الهادي الحسني، الذي يُعدُّ من ركائز المدرسة الإصلاحية الوسطية المدافعة عن الهوية الوطنية والإسلامية في الجزائر. وهو، حفظه الله ومدَّ في عمره، وعلى كبر سنه، حيث شارف على الثمانين من العمر (ولد سنة (1947 مُمَتَّع بصحة وعافية، وذاكرة قوية، وهذا من فضل الله عليه. كما أنه قلمه ما زال سيَّالًا، يكتب العديد من المقالات، وله الكثير من المؤلفات، وقد تفضل عليَّ بإهدائي كتابه (أحداث وأحاديث)، ويضم الكتاب مجموعة من المقالات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي نشرها في عدة صحف ومجلات جزائرية وعربية، أبرزها جريدة "الشروق اليومي" ومجلة "البصائر" لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وكان سبق أن أرسل إليَّ مشكوراً إلى الأردن، حيث أُقيم، كتابه (أعلام وأعمال). وهذا الكتاب، كما قيل عنه، سِجِلٌ حافل لسير وتراجم شخصيات صنعت تاريخ الجزائر وحاضره.
ولا بأس أن أذكر نبذة مختصرة من سيرة هذا المفكر الجزائري الكبير، ليطَّلع عليها القرَّاء، فأقول:
ولد الأستاذ الحسني في 5 سبتمبر 1947 في ولاية جيجل شرقي الجزائر. ونشأ في بيئة علمية محافظة. ودرس بمدارس ولاية جيجل وثانويات العاصمة الجزائر، قبل أن ينتقل إلى دولة الكويت لمواصلة دراسته الثانوية. ثم تخرج من جامعة الجزائر في تخصص التاريخ من كلية الآداب
وهو عالم ومفكر، ومؤرخ، وأديب بارز، ويُعد من رواد المدرسة الإصلاحية الوسطية، ومن أبرز الوجوه الثقافية والدينية في الجزائر. يُعرف بنشاطه الدؤوب في الدفاع عن الهوية الوطنية والعروبة والإسلام، ومقالاته الفكرية التي تنشر في الصحف الجزائرية تفصح عن ذلك.
وهو كذلك المجادل البارع، والواعظ المؤثر، له ثقافة العصر التي اختار منها الوجه الذي يخدم شعبه وأمّته. وقد أثرى المكتبتين الجزائرية والعربية بمجموعة من المؤلفات القيمة، منها:
• أعلام وأعمال.
• من وحي البصائر.
• أشعة الشروق.
• الاحتلال الفرنسي للجزائر من خلال نصوص معاصرة.
• كما شارك في جمع وتصحيح آثار الإمام عبد الحميد ابن باديس.
• وكذلك شارك في جمع آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي.
وفي اليوم التالي كانت لي، بصحبة الإخوة الأفاضل، جولة طويلة على بعض المعالم التاريخية في العاصمة الجزائر، حيث زرنا مقر الجيش الإنكشاري العثماني، واطلعنا على معالمه الكبيرة والكثيرة، ثم صلينا في المسجد البراني، وهو مسجد قديم قائم في حي القصبة بولاية الجزائر، وسُمِّيَ هذا المسجد باسم «البرَّاني»؛ لأنَّه يقع خارج قصبة السلطان العثماني. وقد أُنشئ عام 1653م. ثم مررنا بمسجد الشيخ أحمد لكحل. الذي أنشئ عام 1895م. ومنه انحدرنا إلى مقبرة سيدي امحمد، التي تضم في تربتها كثيرًا من أعلام الجزائر الكبار، فقد وقفنا عند قبر العالم الفذ محمد البشير الإبراهيمي وولده الدكتور محمد الطالب الإبراهيمي، وقبر مفكر الجزائر الكبير مالك بن نبي، ودعوْنا لهم ولعموم من ضمَّهم ثرى هذه المقبرة.
وثم كانت لنا زيارة قصيرة إلى منزل صغير في حجمه، كبير في قيمته، وهو المنزل الذي انعقد فيه الاجتماع التاريخي الأول لمجموعة 22 جويلية 1954 للتحضير للثورة الجزائرية، فكان مُنطلَق الثورة من هذا المنزل العظيم، وفيها انقدحت شرارة فِكرتها.
وكان بعد ذلك زيارة قصيرة إلى نادي الترقي، الذي يُعد معلمًا بارزًا من معالم الثقافة في الجزائر، حيث احتضن الاجتماع التأسيسي الذي ضم أكثر من سبعين عالماً برئاسة الشيخ عبد الحميد ابن باديس، ومنه تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
وكانت لي زيارة سابقة لهذا النادي المبارك قبل سنتين، حيث نظم ندوة عن تاريخ الجزائريين في بيت المقدس وفلسطين، ألقيت فيها محاضرة حول هذا الموضوع، وشارك في هذه الندوة فضيلة الشيخ الداعية يحيى صاري حفظه الله.
وأبى رفاقي في هذا التجوال إلا أن يغمروني بكرم ضيافتهم، ودعوتي إلى أحد مطاعمها الأنيقة، حيث تناولنا طعام الغداء، فجزاهم الله خير الجزاء.
ولَمَّا كان من لوازم كل زياراتي للجزائر استصحاب تمرها الطيب (دقلة نور)، كان لا بد من المرور على سوق التمر فيها، وشراء ما يمكنني حمله، حيث لا يطلب الأهل والأصدقاء أن أحضره لهم من الجزائر إلا هذا التمر الطيب اللذيذ.
ومثلما كانت نهاية هذه الجولة طيبة بتمرها، كانت نهاية هذه الزيارة أكثرَ طيبة بلقاء صديق قديم، ما كنت أظن أن ألقاه، لكن كما قال شاعرنا العربي:
وقد يجمع الله الشَّتيتين بعدما يظنَّان كلَّ الظنِّ أنْ لا تلاقِيا
وصديقنا القديم هذا هو الأستاذ الدكتور يوسف تيتواح، وكان لقاؤنا الأول قبل قُرابة نصف قرن، عندما جاءنا إلى الأردن طالبًا لدراسة الماجستير في الجامعة الأردنية في العاصمة عمان، ثم غادرها بعد إكمال دراسته. وكنَّا تواصلنا بالهاتف أثناء إقامتي بالجزائر، وكان هو خارجها. ثم أبى وأصرَّ إلَّا أن يأتيني ويلتقي بي قُبيل سفري في المطار، وكان اللقاء الساعة الثالثة قُبيل الفجر. فكان هذا اللقاء ختام المسك في زيارتي ومسيرة على طريق الحبر، وعسى أن تتجدد الزيارة، وأن يتجدد المسير على هذا الطريق.
FACEBOOK
Google
التعليقات (0)
لا تعليقات بعد