- 17 يونيو 2026
- مالك طيبي
- ماذا نقرأ
- 0 التعليقات
- 11 المشاهدات
هنا.. رافقت طه حسين، وصاحبت الرافعي وأحببتُ وحي قلمه، مهما أعياني حديث القمر! .. وبهرني اطلاع أحمد أمين، ثم أضحكني تهكم زكي مبارك به بل قل جلده له في "جناية أحمد أمين على الأدب العربي"
كلّما زرت دار جدّي رحمه الله لم أستطع صرف نظري ولا تحويل قلبي عن الغرفة التي تضمّ الآن المكتبة.... مكتبتنا!..
المكتبة التي كانت تعمر غرفتين من الدار.. ثم روكمت -على عجل- في غرفة واحدة، لتُحْفَظ من سقفٍ أشجاه خلوُّ الدار من ساكنيها وعُمّارها، وأبكاه صُماتُها المخيف بعد عجيجِ عُقود بالقرآن، والذِّكر، والشّعر، والنقاشات،، وصخب الحياة... فوكفَ واستوكف!
هُنَا.. عرفتُ الحرف، وهنا.. نقّلت أصابعي ما بين الكتب، أتنسّم عبقها الذي ينفذ إلى دواخل النفس فيبهجها، ويغوص في حنايا الروح فيسليها،، يشبه في نفاذ عطره، وبهجة أثره رائحة الثرى بلّلَه القطر بعد طول ظمأ..
هنا.. نظَّمتُ رفوف المكتبة وأنا طفل صغير، وفتى يفعة، ورتَّبتُ الأسفارَ.... وقضيتُ السّاعات أقرأ -فوق كرسيّ- كتابًا رأته خالتي فوق مداركي، فأقصته إلى الرفوف العليا بعيدًا عن يديَّ الفضوليتين ونفسي التواقة، وإن رصدته عيناي عن بعد... وأقرأ كتبا أخرى مخفية وراء الكتب!..
هنا... قلَّبتُ تاريخ بغداد وقرأت منه اعتباطا، وكان أوّلَ شيء بحثت عنه -وقد كان جدّي علّمني طريقة البحث في المعاجم والموسوعات، وكان ربما اختبرني باستخراج كلمة من القاموس المحيط- من اسمه مالك، وفجعت أن الكتاب على ضخامته لم يتسع لأكثر من أربعة مالكين ترجم لهم باقتضاب!.. ثم صدمني مرة أخرى يوم قررت أن أحضّر منه لبحث في السنة الثامنة عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله (ولعلكم تدركون سرّ صدمتي يومئذ!) وهنا.. قرأت أكثر زاد المعاد ولمّا أجاوز الرابع عشرة وكنت أُكثِر القراءة في جزئه الأول، أعيد وأقرأ ما تعلّق بتفاصيل الحياة النبوية الشريفة. وهنا تعرّفت على الشيخ الألباني وقرأت صفة الصلاة في طبعة عتيقة نفيسة، كان إلى جنبها في الترتيب رسالة التنبيهات للشيخ التويجري في ردّه على صفة الصلاة؛ ثم المجلّد الأول من سلسلة الأحاديث الصحيحة، وعنوان حديثها الأول المبشر الذي يأخذ بمجامع القلب: "المستقبل للإسلام".. وأتيتُ على كتاب الجامع الفريد ورسائله النجدية في التوحيد، واكتشفتُ في رف قريب كتابي الشيخين سليمان بن عبد الوهاب وأحمد بن زيني دحلان في الردّ على الوهابية، وقرأتهما!... وقلبتُ صفحاتِ مقالات الإسلاميين والملل والنحل (الذي كنتُ -وأنا دون السابعة أحاول فكّ اللوحات الخطية- أقرأ على كعبه عنوانه المكتوب بالثلث المركّب: الملك والنحل!).. وهنا: قرأتُ -قائما على الكرسي- من كتاب الأصول من الكافي للكليني فصولا،، ومن كُتب بعض مراجع الشيعة القدامى والمعاصرين (وكان أحد أخوالي يعدّ رسالة أكاديمية في الفكر العقدي الشيعي)..
هنا.. عشت تفاصيل مُذكّراتِ "صدّيق" التي ألقاها في لفافة أوراق قرب مالك بن نبي وهو يصلّي منفردا في أحد مساجد قسنطينة!.. وبقيتُ أيّاما متحيرا في شخصية صاحب المذكرات، حتى سألتُ خالي رحمه الله، فضحك متعجبا وقال لي: كيف لم تفهم أنها قصة رمزية؟!.. وهنا أُذِن لي بقراءة "العودة إلى الذات" في خمسة أيام أو أقل، وإلا عاد إلى مكمنه في خزانة مغلقة؛ وهنا.. جردتُ كثيرا من كتب الإخوان، وكدت أحفظ تواريخهم ومحنهم وقصصهم وسِير أعلامهم وشعرهم حتى زجل سعد سرور كامل..
هنا.. رافقت طه حسين، وصاحبت الرافعي وأحببتُ وحي قلمه، مهما أعياني حديث القمر! .. وبهرني اطلاع أحمد أمين، ثم أضحكني تهكم زكي مبارك به بل قل جلده له في "جناية أحمد أمين على الأدب العربي".. وكتابات مبارك مدهشة مضحكة مبكية. وهنا.. تتبعت خطى جبران وميخائيل نعيمة في سبعينه... وحاولت فهم العقاد نثرا وشعرا، وكانت لي "في صالونه أيام".. وسمرت مع دواوين دار العودة في ليالي الشتاء الطويلة الباردة.
هنا سهرت مع مجلّات العرب، وتشعب بي النظر فيها ما بين دين وفكر وفلسفة وأدب، وسينما وطرب وفن تشكيلي! هنا.. قرأت الدوحة والعربي والفيصل ومنار الإسلام والمجتمع والجيل والدعوة والمسلمون والعالم والتوحيد.... والنفير والجهاد!
هنا كانت دنياي، هنا كان عالمي،، وإلى هنا كنت أسرع الخطى في كلِّ عطلة مدرسية، وكل مناسبة، لآنس بالدّار والمكتبة... وبأهل الدار الذين تهتُ مذ غادروا...
و هنا... أنشدني جدّي، وأنا أسأله باستعطاف ورجاءٍ أن يسعفني ببيتٍ أوله حرف راء، في لعبة شعريّة كنا ننظِّمها -كل عيد- مع إخوتي وأبناء خالتي، ينشد أحدنا من محفوظه بيتًا يبدأ بحرف روي البيت الذي أنشده سابقه؛ وفتّشتُ في الذاكرة عن بيت يبدأ بحرف الراء، فلم أجد.. فسألتُ جدي الذي كان يراقبنا من بعيد، فأنشدني:
رَسْمِ دارٍ وَقَفْتُ فِي طَلَلِهْ ... كِدْتُ أَقْضِي الحَيَاةَ مِنْ جَلَلِهْ
.في انتظار الجزء الثاني!
رحم الله أهل الدار.. ورحم موتى المسلمين أجمعين.. ورحم عبدا قال آمين.
FACEBOOK
Google
التعليقات (0)
لا تعليقات بعد