• 19 يونيو 2026
  • سليـــــم الحاج قاســـــــم – تـــونس
  • إبداع
  • 0 التعليقات
  • 4 المشاهدات

أ‌.        تعويــذة )1(

ليس للوقتِ إلّاكَ،

أنتَ و صوتُ الهيولى عليه غيومٌ

على ضفّةٍ واحدهْ...

فلتصلِّ لما تجتبيك شواهدهُ،

و لْتُقوَّض،

كمن مزّق النّفسَ عضوا فعضوا،

و شاهدةً شاهِدهْ.

 

ب‌.    اِســـتهلال

قلتُ: كــنْ!

لكنّنك احدودبتَ في صمتكَ،

و ازددتَ غيابا...

قلتُ فلأطـرق إذا بابــكَ...

علّــي أجدُ السرّ قبال العـتَـــبهْ!

غير أنّ الله قد شاءك غيبا،

لم تكن – لا، لم تكن،

بل أفـرزتكَ التّجرِبــهْ!

ج. عتــبة

يدُها منزِلٌ للجَدا

وجهها السّحرُ و الكبرياءْ...

غير أنّ السّوادُ مقيمٌ بهذا المدى

فلأمدّ لها بصري

و لأكن شمعةً للصّدى

و لْأكن ما تـبــدّى لها من حنين الضّياءْ !

مرفأٌ جسمهاٌ،

أم رسالةُ رفضٍ إلى الجاذبيّهْ ؟

مدامعها لغةٌ من سرابٍ،

و أحلامها أبجديّهْ...

1-  ترانــيم الجبـل

الأرضُ سترةُ يلبسها التّاريخ

يحيكها من همهمة الفجرِ، و يصبغ

وجهها بالمطرْ...

الأرضُ أختُ الكواكب القُزحيّة

أمّ الرّسائلِ الأبديّة، مملكةُ الأسرار

و مجزرةٌ البشرْ.

  *  *  *

في التّيه التقينا، الليلُ أربعة عشر قمرا

و رمّانةٌ مشنوقةٌ في ظلّها.

الطّريق إلى قلبي محفوفة بالمشاعرِ،

لا تأتي الرّياح أبدا، لا بما أشتهي،

و لا بما تشتهي السّفنُ.

هل نصل اليوم؟ ربّما،

لا أخفيكِ حبّا : قد أسلمت أمري إلى الجوديّ الآن،

-         هل أنتَ جادّ في ما تقول؟

-         مسكين أنا في زمرة العالم

                                    أو  مزاميرهِ،

عودي إليّ أيّتها الوُريقةُ – انتظريني،

لن أستدلّ الدّرب بمفردي.

  *  *  *

تسمعين أنشودة الرّمال...

الهضابَ و هي تغنّي؟

أنتِ الجواب على كلّ أسئلتي،

سأكتب اسمك على دفتر الامتحان،

و لا بأس إن رسبتُ...

بالأمسِ ألقيتُ نظرة على طفولتنا،

هل أخبركِ؟

لم أرَ غير بئرٍ خصبةٍ،

لا تُنجِبُ إلّا الأسماء العواقــر.

2- حُمرةُ الغسق

ضعي حُمرة الغسقِ على وجنتيكِ،

تصغرُنا المسافة بسنتين،

المَزارع بسنبلتين،

و الفراشات بجناحين،

شيء ما يؤلمني في صدري،

لا يجدر بي أن أتأخّر عن موعد الجسرِ...

سأسلِمك للرّيح / أتوخّى صيرورة جسدي عندكِ،

كم بقي من الوقت

حتّى تشمّ الذّئابُ رائحة شوائنا؟

خطرٌ داهم،

و لستُ أرى لك مخرجا من النّارِ

 سواي.

3- جغرافيا القوْل

عجبا، قد مشت إلينا شجيراتُ البرتقال. لو تمنّيتِ عليّ أعطيتك، و لو تمنّيتُ عليكِ، مدّي يدا ولو كانت فارغة. أنتِ الزّمنُ الذي فُقدتُ فيه صغيرا، أنتِ ما تمزّق من أشلاء العائدين من البسوس، أنتِ خرافةُ الجنّ الذي احترق بين شاهقين.

من أغنياتِ العذارى تكونّا... من أمنيات البحّارة النّازحين، من تمتمات مجانين القرية، من غضب " أخيل " وسط المعركة، من ضفاف الشوارع بين الظلمة و النّهار.

غامضٌ هذا المكانُ،

مثل تقاطيع الرّوح الهائمة...

أتلقّى موجاتٍ لستُ أخمّنُ مصدرها،

تجذبني من قميصي، و تؤاخي بين أعضائي

تثبّت يا برعم الكلمات الأبيّ:

أمِن قُبلٍ قد قُدّ قميص أيّامنا؟

  *  *  *

مسبحٌ من دمٍ،

و المياهُ تجاعيدهُ الآبِــقهْ...

مُغرِقٌ في التفاؤلِ يا حِبر إنجيلنا،

مُحرٍقٌ يا كتاب تعاليمنا السّابقهْ.

  *  *  *

ما الذي سنقولُ،

ملامحنا قبلة من جليدٍ،

و تلك الشّفاهُ نُصولُ ...

ما الذي سنقولُ،

زُرِعنا كنقشٍ بسهم الكنانةِ،

و اقتلعتنا الحقولُ!

4- تهويم البحر

ليس للبحرِ سرّ

غير ما نبّأ بهِ أمواجهُ

و ما سمعته الرّياحُ صدفةَ،

عندما عبرت من خلفِ البابِ.

ليس للبحر سرّ

سوى ماؤه،

هكذا تقول السّفينةُ،

 قبل أن تتنكّر للسّيلِ،

 و تنسى نبوءة الخارطة.

  *  *  *

لتوالدها بدعةٌ،

جسدي يتكسّرُ في شطْحها.


فضّت جبالَكِ الأوديةُ الرّاكدة،
و استقرّ الوجدُ يطرق الباب مهزوما 
حتى تفتحي من بين الصخور 
فجوة واحدة.

سويّتُ دمي بلحمِك 
فانتهيتُ إليك في الجحيم القديمِ ...

و بدأت بك في الجحيم الموالي.
هل أورقت فوق ناهديكِ الرّماحُ ؟
حتّى تتالت هزائمي 
و استحالت سيوفي على ربوة النار 
كومة من رميم!

كنتِ أوّل حرفٍ نطقتهُ،

قبل أن أتوسّد قلبي،

أشعلُ سيجارتي،

و أموتُ.

تعلمين؟
قد زُفّتْ اِليكِ النوارسُ عن كــثـبْ...
عذارى إلى آخر قطرة 
بيضاء إلى آخر الهشيم 
و عنقاء 
إلى آخر اللهبْ.

  *  *  *

يتكسّر العالم بين جُزيئاتٍ تُكوّنه. أغرقَ قومٌ رؤوسَهم بين جمع من الأرقام الفرديّة، شاهدوا إِلى الضّوء و هو يمشي خطوة خطوة ناحية الكهف. كم من الوقت سيستغرقُ حلول الثانية التي تلي هذه، و كم يلزمنا منه كي نتعلّم مراقصة الفراغ دون أن نُــجنّ من الضيق و العتمة. كونٌ يخيط ثوبه من شموس غابرة و يُسائل المجهول عن أصدائه، كون يتلوّى على أجنحته عند كلّ كشفٍ، كونٌ يتكوّر، يتحرّر، يتمركز، يتصلّب، يتشبّث، يتعقّد، يتكوكبُ، يتعرّق، ثمّ يتفرّق إلى ما لا نهاية من السّواد. كلّ ما يفضّ قلبكَ الصّغير مهاجر إلى مملكة الكنائس القديمة، يزيد في إقناعها بأنّ الأرض ثابتة، و بأنّ جميع الكذّابين قد قُتِلوا ذات لحظة من الشكّ، و بأنّ آخر نجمة حرّكت طرفا من أطرافها، قد سُلّ منها وريدها المغذّي فانطفأت.

5- الإسم الموعود

-         ما اسمكِ؟ لا أريد كناية... بل جذر الهويّة الأقدم؟

-         " كاتجامبيا (2)

-         هل أعبر النهرَ كي نلتقي؟

-         بل نتواصل بالتّخاطر!

-         ما شغلكِ الشّاغلُ؟

-         أحبسُ في الرّوابي

              براثن الغيابِ...

  *  *  *

في يوم عيدي...

سوف تدعوني القبيلة كلّها

لأمدّ خيطا من جريــدِ.

لشمعة الأكوانِ، للوله الوليــدِ،

أشيّد الأقطار ضوءا للنّجومِ،

و أردأ الأمطار قُربَـــى للجليــدِ...

في يوم عيدي،

سوف يخرج في انتظاري عاشق

ليعيد ترتيب المشاعرِ من جديـــدِ...

  *  *  *

قلنا:

لم لا نعودُ لطبعِنا

قبل التحوّلِ - هكذا

من غير أقنعةٍ

و لا كلماتِ زيفٍ

و انْتِحالْ !

و نقول: رحلتنا ضياع

كم نحبّ ضياعنا في الحبّ

حيث نسارع الخطوات

لا ثوبٌ يشدّك

أو سِجالْ,

لم لا نقولُ لكلّ عاداتِ الوجودِ: كذبتِ

لم نتلمّس الدمع المصمّم

للعبور على زغاريد التّمائمِ نحونا

كنّا كما كنّا

فلا نحن التّماكنُ(3) لا المُحالْ.

نصرخُ / نطمئنّ

نريدُ / نرفض

ننتفي/

نحيا / نموت

و نستعيذ بما استقرّ /

لِنستلذّ بما استحالْ.

و نحلّ مسألة تركناها موزعة

على فرش التجاسد بيننا

ماذا نفسّرُ للملاءة

للسّرير

و للغطاء

إذا أردنا ذات ليل جامعٍ شدّ الرّحالْ؟

أنقول صوفيّانِ و اقتسما حلولا واحدا

لم تتغيّر الأحوالُ – لكن

عفوَ قصّتنا الوليدة - يا قصارى الحبّ عفوا

لم نعد أنفاسنا مجموعة

لا الجمع جمع في التصوّفِ

لا الفرادة مفرد

لا الحالُ حالْ.

6- تأويلٌ أوّليّ لأحاديث الملكة

نمشي على شفرة أيّامنا،

الغابُ مدلولنا في السّماء الأزرق(4)،

رغم احمرار الجثث المتدلّية من رحم الصحراء...

أنجبتُ من الأطفالِ ما لا أحصي عدّهم،

سبيتُ من الإماء حتّى الثّمالةِ،

فما بال القبيلة فارغة؟

قد ضاقت بنا الحربُ بما رحبت،

و كل دماء العالم، كلّ فضاء العالم،

كل الموانئ الضّخمة،

لا تكفي

لأشرب قهوة.

  *  *  *

و رأيتُ فيما أرى،

قطّا يتثاءب في فمي،

بين يديه فرشاة صغيرة،

و ألوانٌ زيتيّة...

ليس في كرّاسي مكانٌ للدّرسِ،

قد ملأته قصائد مهداة إليك...

  *  *  *

غزوةٌ في الرّوح،

لم أعد أصدّق سوى حدسي...

غير أنّ حدسي هو الآخرُ كاذبٌ.

فلتشدّ وثاق الحلم قليلا،

لا أريد أن أصبّ حزني كلّه

في كأسٍ واحدة...

لا أريد أن أصلّي فرادى،

في غفلةٍ من الحديقة...

لا أريد أن أكون وحدي

في داخلي!

7- عشتار

خدشٌ في براءة العينينِ،

غدا، ستسطع في كوخنا شمسُ عشتارْ،

ضعي السّكّين على جنبٍ،

اِستلّي عطركِ من ثيابي...

بالأمسِ تحلّقت قربي الأوراقُ

بالأمس تحرّكت نحوي الأزهارْ...

  *  *  *

عندما قلتِ:

 " لا أنتمي في المساء لغير جنوني ..

  ولا أنتمي في الصّباح لغير التّعقّلِ ..."

خلتكِ لا تقصدين سوى الاشتهاءْ...

(هكذا لم أكن أتصوّر أنّ العذاب جنون ...

      و أنّ الجنون ﭐنتماءْ)

  *  *  *

 

يــئــدُ الغابً فيهِ سرائرهُ

و تحار القيامةُ بين صقيع البياضِ

و لجّتها الــوالِهــهْ...

قل لنا يا ربيع الفرائسِ

كيف نروّض أشواقنا،

قل لنا

كيف تنتحر الآلههْ!

8 – المارقون من الظّل

ولادةٌ / مجزرهْ !

فتحٌ يقينيّ، و جرمٌ خانسٌ يموّجُ الخلودَ في مِحبَرهْ...

أكتب كما أمليك شرطي لفظةٌ لفظةُ،

أصرخ بداخلي كأنّي أنا...

من دسَّ  فيك الموتً أو برّرهْ !

أبناء يتمٍ ينشرون في ملاذعِ الحريقِ غربتهم

كأنّهم ضدّهم،

يكاتبون جذوة الخلقِ القديمِ في دسائسها !

 يغازلون الظلّ وارفا في خرائطِ المقبَرهْ ...

تجيء من لفافةِ الجدالِ أعقابهمْ...

صحراؤهم على عواهنها

و نارهم مقفرهْ !

كأنّهم هم، دمٌ...

ماء، رضاع يقظةٍ، ألمٌ...

كأنّهم نبوءة مضمَرهْ ...

  *  *  *

يقول لي جسدي:

أنا انشقاقٌ في الرّمادِ / و تيهْ ...

أنا اختزال لي، لتاريخي، لمضيعتي...

لكلّ ما أفكّر الآن فيهْ...

  *  *  *

فيما غبار الطّلعِ يمشي نحو هيأتهِ،

يعلّم الوثوق أن يتابع الحقيقة الآفلهْ

إلى جحيم الصّدى،

و حيرة الأسئلهْ ...

بانت من الجرح الذي ينزّ في صمتهِ...

صعوبة المسألهْ !

  *  *  *

حبّ، يسيرً نحو حالاتهِ...

كمركبٍ أضاع في دربِ الهوى مرفأهْ...

بالأمسِ، كدتُ أن أميّزهُ...

ينوء بين مهملات امرأهْ !

  *  *  *

على مشارف الوعودِ، هنا

ينسى كلامَ الرّاحلين نحو مصرَعهم،

جلودهم حسفٌ

أصواتهم همهمهْ...

فهل تراهم حين يختفون في خوفهم

يكلّمون الحزن في تمتمهْ...

ثقبٌ من التّاريخِ ينسف الزمان بهم

فليس عندهم سوى دهشةٍ،

أو فكرة- لغةٌ

و نبرة مُلجَمهْ,,,

لا تقبلُ الترجَمهْ ...

  *  *  *

نمشي على أكفّ هامتها،

بحرٌ ينادينا  /  و موجةٌ تراودنا...

في كلّ قطرة بداية و خاتمةٌ...

في كلّ ليلٍ حاضرٌ، ماضٍ، و مستقبلٌ...

نجرّه عنوةٌ،

كي تعرف الأزمانُ ما فاتها...

من جسمِها المشتهى.

  *  *  *

كنّا نطوّع الكلامَ – ليس حبّنا كأسطورةٍ

و ليس كوكبا يطوف في مداراته /

ليس انشدادا نحو مجهولٍ / و لا سرّا نخبّؤهُ

ماذا أقولُ؟ حبّنا آفاق لفظٍ فلسفيٍّ، تارة يبدو لنا، و تارة يختفي...

في حقلهِ المعرفي..!

الهوامش

1.       لا تبدأ شعوب " الهيمبا " الناميبيّة نشاطا جديدا إلّا بعد تلاوة التعويذة، استحضارا لأرواح الخير و طردا لقوى الشرّ.

2.       كاتجامبيا هي أوّل امرأة ناميبيّة تحظى بلقب " ملكة "، على شعوب "الهيمبا" في ناميبيا.

3.       التّماكن في الفلسفة هو درجة من درجات الممكن: (Compossible). يتحوّل الممكن إلى متماكن إذا تمّ دعمه بممكن آخر و اجتمعا معا في نفس الوقت، دون أن يخلقا علاقة للتناقض. يعني، إذا اجتمع ممكن مع ممكن آخر داخل عالمٍ ممكن.

4.       من الناحية اللغوية، السّماء هو اسم قابل للتذكير، و قد غلب عليه التّأنيث. لأسباب إيقاعيّة و رؤيويّة قد آثرنا تذكيره.