• 18 يونيو 2026
  • حفيدة الكلمة – إيمان الدخري - السودان
  • إبداع
  • 0 التعليقات
  • 18 المشاهدات

ها أنا قد عصيت قلبي، وقرّرتُ النسيان.
لم أخنك، بل خانك قلمي.
لم أخنك، لكنني فضّلت الحياة دونك.
لم أخنك، بل خانتك محطات الزمان في عالمي.
ما عدتَ تعنيني أبدًا، يا سيّد النسيان.

ما عاد الأمر يعنيني بشيء.
قد انتهيتَ عندي، سواء خُنتَ أم وفيتَ.
لم تعد صالحًا لأن تكون ملجأً لفؤادي.

لأنك خنتَ لهفة البدايات، وخذلتَ دفءَ النهايات،
ذبلتْ كلّ حدائقي، ومِتُّ أنا، حين ماتت ورودها.
ولم تعد تعنيني.

اليوم، اختار قلمي أن يسطر على صفحات يومياتي بعضًا من الحقائق التي لازمتني منذ زمن، وإن لم يكن طويلًا:
ماتت عندي فرحة العيد.
أعني حين كان يهلّ هلال اسمك على شاشة هاتفي،
معلنًا تنبيهًا لنبضات قلبي، عند كل رنّة خصّصتها لك.

لم تعد تلك الرائحة تُغريني، ولم تعد من عطوري المفضّلة.
أذكر حين أقنعتُ عقلي ألا ينساها أبدًا.
لكنّ "الأبد" لم يأتِ، فأمرتُه بالنسيان.

كيف للإنسان أن ينسى رائحة عطرٍ اعتادها؟
أن ينسى عنوان كتابٍ أهداه لحبيبه في ليلة تفيض بالمناسبات؟

ربما كنتَ تقصد تدمير الأنسجة والخلايا من جذورها، إلى ذمّة الله.
لم تعد تعنيني قراءة الكتب، ولا حتى عناوينها،
فأنتَ أخذتَ معك كلّ الشغف، وحلاوة الاطلاع.

كيف لمن يُريد أن يبكيك أن تُنكر عليك البكاء؟
تكون في مقاومةٍ عظيمة بين عاطفته وكبريائه.
القليل من التماس يربّت على كثيرٍ من الجهد،
فيقاوم ذاته بقولهم: “بكاء الميت حرام”،
وأنا أرثي الموتى... لا أبكيهم.

بدأت أذكر فضائلك،
فالشكرُ لغير العاقل مذلّة فاضحة.
ليتك كنتَ عاقلهم.
ليتك زرتني في المنام مرّة، دون واقع أليمٍ أجهض زمنًا كافيًا،
كأنه كان قادرًا على أن يلد سُلالةً من تاريخ الأزل.

كيف ينسى الإنسان ملمس يدٍ كانت بالأمس هي العون، والعطاء؟
نسيتُ حتى ملمسها الناعم،
حين كانت تمسك بي كما لو أن العالم يتشبث بالحياة من آخر حبل أمل،
ويصدر في عيني صاحبها نشوة الحضور ووسام الوفاء.

كيف للإنسان أن يودّع فصولًا من حياته،
وقلبه لا يزال يحمل فصولًا أخرى تأبى التعلّق، وتكابر في المغادرة؟

ودّعتُ كل الأشياء التي كنتُ أحتاجها، دون أن أنساها،
دون بكاء، دون أن يمرّ عمري كلّه، دون أن أكون حزينة.
فعلتُها جميعها، ونظّمتُ فصولي... حتى نسيتك.