- 19 يونيو 2026
- أشرف دسوقي علي - مصر
- نقد
- 0 التعليقات
- 1 المشاهدات
اليقينية العابرة للذات
إن محاولة الخروج من ضيق الفكر ومحدودية التعاطي مع الواقعين الأدبي و النقدي والانحباس في غرفتين حتى لو كانتا متسعتين يجعل من الأديب والناقد عاملا في دائرة مفرغة لا يستطيع منها فكاكا ، هاتان الغرفتان هما التراث العربي والمعاصر الغربي وكلاهما قد أثريا المشهدين الأدبي والنقدي ، بإبداعات عظيمة أفادت البشرية وعملت على تطورها وتجاوزها لعصور كاملة من البطء والسير بخطى وئيدة ، لكن ماحدث في القرن العشرين من طفرة رهيبة غيرت وجه العالم كله ، ثم ما حدث من تطور تكنولوجي وثورة المعلومات في السنوات العشر الأخيرة، قد جعل رؤيتنا للعالم تتسم بالدهشة ، والوقوف ذهولا شاعرين بالضآلة والتصاغر أمام ما يحدث ، فلم نعد قادرين_كمواطنين سواء في الشرق أو الغرب على كل هذا اللهاث الذي لا ينقطع ، حتى أن العلماء و الأدباء و النقاد الذين ساهموا في خلق هذه الطفرة عندما يتعاملون معها يشعرون بأن الخلق الذي خلقوه كاد أن يطغى عليهم ، ويستخدمهم أكثر من استخدامهم له ،
وها نحن نرى الروبوت و AI ، يزداد وعيا ويحاول تكوين وعيه الخاصمجازا_ ، ولا عجب أنه قد يطور من نفسه، فيتمرد على خالقيه ولا ندري إلى أي المراحل سيذهب بنا ،
وإلى أي مدى سوف " يستعبدنا"، فبدلا من تنفيذه لأوامرنا ، كدنا نصبح طوعا لأوامره ، وقد يذهب بنا إلى أبعد مما نتخيل ، فنتحول إلى مسوخ وعبيد، كنا نسخر من عبودية الإنسان لأخيه الإنسان في العصور الماضية ، فقد لا يعطينا فرصة في المستقبل القريب أن نفكر حتى في فكرة التحرر منه، ولن تكون لدينا الفرصة للتفكير في ذلك .
لم تستطع كثير من النظريات أن ترتفع بالإنسان وترتقي به، رغم المحاولات المتعددة في كافة المجالات، فدائما ما يتبقى على الأرض ماهو أكبر و أقوى من الإرادة الإنسانية سواء كانت فردية أو جماعية ، تتمثل في سلطات دوجماتية سواء ما كان في العصور الوسطى أو في عصر الصناعة أو في الآونة الراهنة ،
وكلما ظن الإنسان أنه قد صنع قدره وأنه أصبح قادرا على التحكم في مصيره حاضرا ومستقبلا اكتشف أنه ريشة في مهب الريح ، وأنه مفعول به دائما إلا قليلا ، ومن الغريب والمدهش أن الذين استطاعوا التحكم ولو قليلا في مصائرهم كثير من الطغاة و الأغبياء والمعاتيه، ليظل كثير من العقلاء و المعتدلين ، مفعول بهم أو على الأقل غير فاعلين ، وغير مسموعي الكلمة في كثير من الأحيان ،
في حين تسمع كلمات ذوي الصوت المرتفع والضجيج، حتى لو كانت كلماتهم ضد الحرية الحقيقية للإنسان وتسعي لتعبيده ، إلا أن الإنسان تستهويه الكلمات المعسولة والأفكار التي تلعب على رغبته في الكسل و اللعب والدعة ومخاطبة الغرائز والسلوكيات غير اللائقة و اللاأخلاقية ، وهي المخاطبات الأسرع تأثيرا في الوجدان البشري، حيث تلقى استجابة حاضرة وآنية، علاوة على أنها أسرع و أقوى انتشارا. حاول الكتاب و الشعراء و النقاد والفلاسفة والعلماء في كافة المجالات_ خاصة المهتمين بالإنسانيات
تأسيس النظريات والمذاهب وبث الرؤى التي تخرج الإنسان من كبوته ومن مآسيه التي صنعها بنفسه ، إلا أنها جميعا لم تنجح في فعل ذلك ، فالحداثة العقلانية المؤمنة بالعلم والتجريب والدعوة للتنوير ومحاولتها لإيجاد صيغة للتواصل الإنساني عبر اللغة وثبات دلالاتها ، لم تفلح في النهوض بالإنسان والارتقاء به ، ولم تفلح قطيعتها مع الماضي في جعله إنسانا راقيا متحررا، ولم تفلح في فهم الوجود وطبيعته وفق مفها يم علمية ودلائل عقلية فقط، لم ترتق بالإنسان كما كانت تسعي، ولم تفلح كما لم تفلح رؤى ونظريات سابقة من قبل، حتى أن كارل ماركس يرى أن سائر القيم تحولت إلى قيم تبادلية نفعية ، في زمن أصبح كل شيء سلعة ، حتى الإنسان ذاته ، فهو سلعة للإعلان وإعلان للسلعة، وعبد للموبايل وباقة الإنترنت ويسعى بكل مايملك للتريند حتى لو كان عبر جريمة يتم بثها على الهواء من خلال الدارك ويب! ولو كانت النتيجة إزهاق روح إنسان وتعريض حياته هو نفسها للخطر دون أدنى شعور بالجرم وفي إطار كامل من اللامبالاة! لم يسلم الأطفال من دارك ويب حياتنا المعاصرة ، بل أصبحوا هم والمرأة هدفا لكل السهام بالترغيب وبالترهيب ، وسادت الفوضى العالم بأسره دون حدود فاصلة بين العوالم المختلفة ،
وفقد الإنسان صوابه ويقينه ، فلم يسعفه شكه في الوصول إلى نتائج " مطمئنة" ولو بعد حين ، فليست من طبيعة الإنسان أن يظل شكاكا ديكارتيا مدى الحياة، فليس من المنطقي أن يظل السباح عائما بلا نهاية ، فلابد من شاطيء يرسو عليه ، حتى لو كان هذا الشاطيء ليس بالشاطيء المنشود ، وحتى لو أخطأ مرساه رغما عنه، وعدم الرسو عبر السباحة اللامنتهية قد يصل الإنسان إلى المصحة العقلية كما وصل نيتشة.
لم يكن حال مابعد الحداثة أكثر إسعادا للإنسان من الحداثة ، فكانت ثورة مابعد الحداثة صرخة إنسانية عالية ضد ما وصلنا إليه من لا إنسانيات ولا أخلاقيات ، فثارت مابعد الحداثة على العلم والعقل الذي أنتج آلات التدمير وأقلها القنابل الذرية ، فهناك قنابل أكثر فتكا ، لكنها قاتلة متسلسلة ببطء واستمرار وثبات و إصرار ثارت مابعد الحداثة على كل ماعرفته وواجهته وكل ما آمنت به أو دعيت للإيمان به من قبل ، فكفرت بالعلم والمنطق والسرديات الكبرى وكل ما هو يقين، ونادت بالتشظي وغياب المنطق وموت الإله ! فهذه صرخة نيتشة : لقد مات الله ونحن الذين قتلناه! وماذا بعد موت الإله ؟ إنه غياب المعني وتفككه ولم تعد اللغة وسلة للتواصل ، بل استحال المعنى فلم يعد للغة وظيفة ، ولم يعد للمعنى معنى، وإذا كان الإله قد مات، فلا غرو من موت المؤلف وموت الناقد وموت المتلقي أيضا! إنه الموت الذي يحيط بنا من كل جانب ،إنه الخراب في غياب اليقين، فالنص لم يعد نصا ، والشعر لم يعد شعرا، واللغة لاتقوم بدورها ، والمؤلف قد مات ونحن الذين دفناه، والناقد لم يعد له دور حقيقي ، في ظل تعدد القراءات إلى ثمانية مليار قراءة، إذن فلقد مات الناقد كما مات المؤلف ، وإذا كانت القراءة تصل إلى ثمانية مليارات قراءة للنص الواحد _
على فرض أن النص سيصل إلى كل من على الكوكب ، فلا معنى لوجود كاتب ولا أهمية لوجودنا
FACEBOOK
Google
التعليقات (0)
لا تعليقات بعد