- 23 يونيو 2026
- ليلى الخمليشي - المغرب
- نقد
- 0 التعليقات
- 3 المشاهدات
مقدمة:
لا غرو في أن المكان يشكل أهم المفاهيم التي شغلت النقد الأدبي عموماً والحديث خصوصا، وليس مجرد إطار خارجي للأحداث بل هو عنصر جمالي يشكل الرؤية الشعرية ، ولعلها زاوية يقل الحديث فيها، كون الدراسات التي أنتجت حول جمالية المكان تظلّ رهينة الكتابات النثرية خاصة فن الرواية.
يعرّف الناقد الفرنسي غاستون باشلار المكان: «بأنه ليس حيّزا هندسِيّا، بل حالة نفسية تتخذ شكل صورة »[1]
انطلاقا من هذه الرؤية، فإن المكان لا يدرس ويكتَب فقط كعنصر سردي، إنما يتجاوز ذلك ليصبح حقلا بصريا يساهم في نمو الصّورة داخل فضاء القصيدة. وتصاغ من خلاله كتابة الذات وعلاقتها بالعالم.
فالمكان ليس صندوقا معلبا وإطارا ماديا، بل هو كائن حامل للشحنة العاطفية يبنى من الذاكرة والألفة لتخزين قيما إنسانية مجسّدة.
وبما أن القصيدة النسائية المعاصرة، تتسم بالحساسية ، بحيث أنها مسرح خاص بها، تشكله الشاعرة امتدادا للذات في علاقتها مع المكان. هذا ما يجعلنا ننفتح عبر هذه الورقة البحثية على نماذج مغربية، لقراءة المكان كعنصر بصري وحالة من الحركية داخل الزمن، يتعلق الأمر بالتجربتين الشعريتين؛ لخديحة السعيدي التي تنطلق من النبرة الصوفية، لتحول الأمكنة إلى طاقة روحية و رمز للسمو الجواني. أما التجربة الثانية لسكينة حبيب الله التي تبني قصيدتها على مشاهد مشبعة بالرؤيا والحسّية، كما أنها إعادة لترسيخ قيمة الأمكنة اليومية. تنهض هذه الورقة البحثية على المنهج النصي وفق ما تسطّره النظريات الحديثة في قراءة المكان داخل النص الشعري، مع التركيز على أهمية المرجعية النسائية واشتغال الذات على الفضاء وتحليل البنية البصرية مع فهم العلاقة القائمة بين الذات الأنثوية والمكان في النموذجين.
ومن هنا تنبثق الإشكالية الجوهرية التي تحاول هذه الورقة البحثية النبش فيها ومقاربتها.
-----------------ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإشكالية:
§ ما الوظائف الجمالية والبصرية التي يمنحها الشعر النسائي المغربي المعاصر للمكان داخل النص الشعري ؟
§ ما أنواع الأمكنة التي تشتغل كأدوات تصويرية (الفضاء، البيت ، الهوية، الذاكرة، المدينة..)
§ هل المكان ثابت أم متحوّل داخل التجربة النسائية؟
v أولا- الإطار النظري:
تفاعلا مع الإشكالية الآنفة، تستدعي الدراسة التوقف أولا عند الأسس النظرية التي يبنى عليها مفهوم المكان، بوصفه فاعلا بصريا داخل النص الشعري، من خلال استدعاء أهم التطورات النقدية التصورات النقدية التي درست جمالية المكان المكان في علاقته والصورة الشعرية، لا سيما بالكتابة النسائية، قبل الانتقال إلى التحليل النصي للتجربتين، الشعريتين موضوع الدراسة.
إن مقاربة المكان باعتباره مجالا بصريا داخل النص الشعري، لا يمكن أن تتم معالجته بمنأى عن ضبط المفاهيم التي تشكل الخلفية النظرية، ذلك بالاستناد إلى مفاهيم أخرى مركزية التي تسمح بفهم كيفيّة تشكل المكان داخل الخطاب النسائي، في مقدمتها:
جمالية المكان ، الحساسية الشعرية ، الفضاء الشعري ، الصورة الشعرية، البعد الروحي للمكان.
1. جمالية المكان:
إن مفهوم المكان في النقد الأدبي الحديث لم يعد معطى هندسيا محايدا فقط، بل غدا فاعلا في تشكيل بنية منسجمة تخييلية، دلالية وفاعلة في إخراجٍ النص الأدبي.
فمن المنظور الظاهراتي الذي يربط المكان بالذاكرة والخيال والتجربة الحميمية[2]. فداخل النص الأدبي الشعري يغدو المكان فضاء يخزّن ما لا نهاية من الصور التي تحملها الذات بتاريخها ووجدانها وانتماءاتها كما أن أبعاد المكان متعددة ومختلفة، فالمكان كأفق تفكير لا يعطى فقط وينتجُ، إنما يتمظهر أيضا عبر ممارسات اجتماعية، في التمثلات التي تحملها الذات، وكيف ترَمّز الفضاء المكاني . ومنه فالمكان ليس كل ما تحمله الذات من أصوات وتصورات نحو مكان ما، إنما هو الذاكرة الجماعية تتقاطع فيها الذات بالثقافة، لا سيما داخل متن الكتابة النسائية.
تتجلى جليا هذه التصورات المركبة للمكان، باستحضار مفهوم الكرونوتوب عند ميخائيل باختين في الجانب السردي النصي، والذي يصهر الزمان والمكان في علاقة واحدة، بجعلهما عنصرين متداخلين، في إنتاج المعنى. فالمكان لا يؤول بمنأى عن الزمن، فهو فضاء بطاقة متحولة تبنى فيه التجربة الشعرية.[3]
2. الحساسية الشعرية:
يتعلق مفهوم الحساسية الشعرية بالتحولات التي وقعت في أنماط التلقي المختلفة على مستوى الكتابة، فهو مفهوم لا يمكن حصره وتفسيره من زاوية واحدة وحقل واحد، بل يتقاطع في النقد الجندري والفلسفي وتاريخ الفن.
فحسب أدونيس إن الحساسية الشعرية الحديثة، تقوم على القطيعة، مع الأشكال الجاهزة للتعبير، فهو يرى بأنها إعادة إنتاج وبناء علاقة وبين الذات واللغة والعالم، فالقصيدة في هذا المضمار لم تعد مرآة للواقع فقط، إنما آلية لإعادة تأسيسه وتفكيكه من جديد.[4] ويؤكد صلاح فضل على أن الحساسية الشعرية، جملة من التحولات للبنية الجمالية التي تؤثث للنص، من حيث الصورة، الإيقاع، التكثيف.. كلها أدوات مركزية تنعكس تلقائيا على طريقة كتابة المكان داخل حلقة النص، وهذا التحول الذي وقع على الحساسية أدوات أساسية في بناء الدلالة.[5]
إلا أن عبد الله الغذامي، يقرأ الحساسية النسائية في كتابتها بوصفها موقفا جماليا وثقافيا يمتح من الفضاء والعالم.[6] على اعتبار أن الذات واللغة والهوية علاقة جديدة أزلية داخل المكان.
3. الصورة الشعرية وبناء المشهد:
تعد الصورة من أهم أساسيات القصيدة، العربية المعاصرة، فهي نبض الشاعر، والقالب التعبيري الذي يفرغ فيه المبدع أحاسيسه، كما عبرها يشرك حواس القارئ البصرية، السمعية...،عن طريق لغة قائمة على المجازات، التشبيهات والاستعارات، لتجسيد رؤية وتجربة جديدة بتفاصيل فنية تنبع من العاطفة لتترك أثرا ثاويا لدى القارئ.
ولا يمكن مقاربة الصورة الشعرية في النقد الأدبي دون التوقف أساسا عند إسهام عبد القاهر الجرجاني، والذي إن لم يستعمل مفهوم الصورة الشعرية بصيغتها الحديثة، لكنه أسس له نظريا من خلال تصوره للنظم وعلاقة المعنى بالتركيب اللغوي.
حيث وازن وجمَع بين المعاني والألفاظ وأكد أن اكتمال النص في معناه وجماليته، لا يكمن في جعل الكلمات منفردة بل في تعالقها وتأليفها خدمة للنص.
ويرى الجرجاني أن الصورة الشعرية تنبجس من العلاقات القائمة بين الألفاظ في التراكيب؛ [ ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ عنها] . [7]
فيما يرى جون كوهين حيث يرى بأنها نتيجة انزياح وخرق لغوي يُحدث خلخلة في النظام الداخلي للغة.[8]
أما صلاح فضل يذهب في تعبيره إلى أن «الصورة تشكل بنية دلالية، تنتج المعنى ولا يكتفي بتنميقه» .[9]
إن الصورة المكانية إذن من خلال كل هذه التصورات، تتمازج فيها العناصر الحسية والرمزية، مما يجعل المكان مركز الوجود وتجربة داخلية تتقاطع معها الصور الشعرية.
4. المكان والكتابة النسائية:
بالنظر إلى علاقة المرأة بالمكان يظهر جليا أنها حميمية وشاعرية بطابعها، فهي تعيد صياغة مفهوم الفضاء والذات من منظورها الخاص. بحيث ترى خالدة سعيد أن المكان يتطور مع واقعية الأربعينات و الخمسينات حتى يبلغ مع بعض الشعراء الحدثيين الذروة الحالية المتمثلة بالتداخل بين الإنسان والأرض.[10]
وهو ما يسمح بقراءة المكان أنه مكون بنيوي في تشكيل الرؤية وصفية تقوم على الرؤية الذاتية داخل النص، والمكان يعكس تماما موقع المرأة، وحضورها الاجتماعي وتمثلاتها الثقافية والفكرية، وهو حضور مشحونٌ بعلاقات السلطة.
5. البعد الصوفي للمكان:
يتخذ المكان في الشعر الصوفي بعدا رمزيا وروحيا يتجاوز المادي الملموس، ليتحول إلى مقام تجَل واستشراف؛ فالمكان الصوفي " مكان العبور لا الاستقرار" [11] ، الأمر الذي يجعله فضاء للتحول والكشف، وهو تعبير أيضا عن تلك الحالة الوجدانية التأملية في رحلة للتجلي بقلبٍ نوراني.
هذا التعدد المرجعي للمكان أتاح لنا الانفتاح على أبعاد جمالية، نفسية، ثقافية وروحية، ولعل هذا يقتضي وعيا بكل هذه التصورات والتراكمات النظرية، من أجل فهمه داخل الكتابة النسائية المغربية، خاصة على مستوى الشعر.
وتكتسي أرضية هذا الجهاز المفاهيمي مجالا يسمح ويساهم في الانتقال إلى التحليل التطبيقي للكشف عن كيفية تقوقُع المكان بوصفه بنية بصرية حية، وبه نقيس مدى فاعلية المفاهيم. إلى جانب هذا، الاعتماد على منهج نصي دلالي يقوم على التحليل الصوري البلاغي لبيان وظائفها في كل من شعر خديجة السعيدي وسكينة حبيب الله .
v ثانياً : الإطار التطبيقي :
ننتقل في هذه الزاوية إلى تحليل نماذج منتقاة ومختارة بغرض رصد أهم ما ينتجه المكان من دلالات وجدانية ورمزية، داخل الخطاب الشعري.
نقرأ نبض خديجة السعيدي لنستعيد تلك الجدلية والحركية الكائنة بين اللغة وصوت الأمكنة الواصف لعواصف النفس المرتجفة، حيث تتأسس قصائد خديجة السعيدي على رؤية جمالية تجعل من "الأمكنة " حاضنة لهيبة الذات الأنثوية، كما أنها قوة ناعمة لمقاومة القمع واستعادة الصوت وبناء المعاني لا عبر القالب التقليدي في التحديد الجغرافي فقط إنما عبر الاستشراق للأفق، النور، الضوء والقيم. تقول الشاعرة في قصيدة أمنيات للزنابق :
كنجمٍ تجلّى يمنح الروح أنوارا
ويملأ هذا العالم الغضّ أزهارا
يحلّق في الغيم المسافر في المدى
كآية أنثى ترسل الحلم مدرارا[12]
في قصيدة أمنيات للزنابق يتعرى الصمت ليقترب العمق الوجداني، هنا يتحول المكان النوراني إلى فضاء حميمي، إذ تقاس التطلعات في لوحة بصرية بشحنة شعورية قريبا من التصور البشلاري، هكذا تتخذ الكلمات ( أزهار، نجم، الغصن، الغيم...) فضاء للحلم المؤجل. كل هذه التفاصيل الواصفة للذات هي أشباه مكان تقيم فيه المشاعر إلى حين إطلاق سراحها من عبور ممكن ومتجلي.
تراقص في الذكرى صدى أغنياتها
فتصبح أجراس الغوايات مزمارا
لعشتار أهدت أمنيات زنابق
تحاور في الآفاق عطرا وقيثارا[13]
اشتغال الذاكرة كعنصر بصري سمعي عند خديجة السعيدي، يُبنى في تلاقح مباشر مع الصوت الداخلي، بحيث لا تكتمل الصورة إلا بذاكرة تقوم على تجربة داخلية. وعندما تلجأ الشاعرة إلى عشتار ليست بمثابة شخصية فقط بل فضاء أنثوي أسطوري يوحي إلى الخصوبة، الحياة والصوت؛
يبلّ، ليزهي عرش بلقيس معمارا [14]
(سبأ/ بلقيس/ عرش..)، تتحول هذه الأمكنة إلى أدلة تفاوض بها الشاعرة التاريخ من منظور أنثوي، فالمكان هنا يعاد بناؤه شعوريا وشعريا ليصبح حقلا لإرجاع تلك السلطة الرمزية للمرأة التي سرعان ما تقبر وتدفن؛
فديدن أرباب الخرافات إن رأوا
تجلٍّ لأنثى أن يواروه إقبارا[15]
ويطفأ صوتها ليتحول إلى قبر، و (الإقبار) هنا ليس ماديا بقدر ما هو مكان رمزي .
تظل الشاعرة في قصيدتها تقاوم وتحلم بفجر يولد ويؤسس لصبح قريبا، بفعل المجاهدة ولعلها قريبة من الرؤية الصوفية بوصفها ضوءا ونورا كثمرة للمحاولة والإلحاح.
سينهدّ صخر الخوف في أوج خطوها[16]
فالصخر استعارة مكانية للثقل الاجتماعي والنفسي الذي تتحمله الذات، لكنه يتبخر ويتلاشى ويتكسر بالمكابدة والحركة و(الخطو) .
وتمنحها العلياء أنفاس صبحها
إذا هطلت في الطين تعشب أطهارا [17]
القصيدة تبعث عن نفس صوفي يتجلى في:
النور/ الهطول/ العروج/ الطهر/ الأسرار.. والمكان هنا مقام كشف، يتخذ أشكالا شتى في الوصول إلى الارتقاء، وهو ما يجعل الجمالية المكانية متداخلة مع الحساسية الروحية بخطاب أنثوي سماوي !
وإذا كانت القصيدة الآنفة تراءى فيها المكان فضاء رمزيا منفتحا تقاطع فيها الضوء بالعلو، فإن قصيدة ترسم الجرح فتزهر يحضر المكان بمعالم حالكة وحيز تسكنه الآلام والذاكرة المجروحة؛
وحيدًا.. يداري القلبُ ليلًا يحاصره [18]
الليل مكان ٌ خانق مغلق يحاصر الأمنيات ويعمّق الإحساس بالخيبة والعزلة والوحدة. لتبزغ النفس باهتة وقلبا فاقدا للشغف، ما يجعل المكان جسرا للحالة النفسية وتشظيا للذات؛
بأي نزيفٍ سوف تجري محاجرُه؟ [19]
المكان كجسد نازف، تتماهى لعبة الكلمات في المقطع فالمحاجر تتقوقع في فضاء نزيف بلغة بصرية قاسية، فهل تعني الشاعرة الجحيم نفسه أم أنها تسائل نقطة السّيل؟
بأبعد إيحاء داخل القصيدة، تَرْجُم الشاعرة الألم الجسدي والوجداني بكلمات تفيض بالتأطير الحسي وعمارة لفظية تناصية قوية؛
لأن المرايا دون ذاكرة أبت
ملامح جرحي أن تزاح سواتره
إذا ما امتطى ظهر القصيد رسوله[20]
استدعاء الشاعرة للمرآة بوصفها عالما بصريا مميزا، إلا أنها تفقد قيمتها إذ تصبح بلا ذاكرة عاجزة عن تسجيل الجراح، وهنا يتحول المكان إلى الإحساس بألم الغربة والإنكار، حيث محا المكان وجود هذه الذات عوض احتوائها وكشفها، والمتأمل للقصيدة نفسها سيلاحظ أنها مجال للحركة والبحث عن النجاة، حيث تمتطي الشاعرة المكان في قالب استعاري يكشف عن طوق النجاة التي تمنحه الكتابة بوصفها علاجا وروحا جديدة وملاذا بصريا للتعبير عن المحنة الإنسانية الأزلية.
من الجرح إلى الإزهار؛ على الرغم من طغيان الألم لا تتوقف القصيدة وسط هذا الأفق السوداوي بل تتفوّق عليه وهذا التحول الجمالي عكسه العنوان{ ترسم الجرح، فتزهر]، فالاستعارة هنا لا تكتفي بتجميل المعنى، لكن يتحوّل الجرح من علامة ألم إلى فعل خلاّق. بالتالي لا تقَدِّم القصيدة المكان بوصفه مكانا خارجيا بل شحنة داخلية من الألم والمعاناة وأن المكان أداة لبناء الذات عبر الكتابة.
وبه لا يبزغ المكان كإطار محايد، بل عنصرًا جماليًا فاعلًا يسهم في تشكيل الصورة الشعرية، وفي بناء خطاب شعري يعيد للجرح معناه الإنساني والإبداعي.
خلال هذه الرحلة لا محالة أنها تبزغ أمامنا فروق شعرية بين الأجيال الذين عاشوا أزمانا وعبروا ثقافة شعرية لافتة. وفي أفق مواز تقترح، تجربة سكينة حبيب الله، بناء المكان بوصفه عنصرا بصريا فاعلاً، وأكثر هدوءا وشفافية، فالألم لا يندثر تماما داخل بوحها لكنه يُصَاغ داخل أفق تأملي بصري أكثر اتساعا، ومن القصائد المختارة لها بعنوان؛ على طريقة البيوت من ديوان خطة بديلة تقول:
نتقدّم في السنّ
على طريقة البيوت،
في البداية يظهر خطّ صغير على الوجه
لا يأخذه أحد على محمل التجاعيد،
ومع الوقت… إذ تتفاقم التصدّعات
تجمع الأشياء خائفة أغراضها بسرعة من رؤوسنا
وتغادر
تاركة خلفها فراغًا مهولًا،
تبني فيه قوارض صغيرة جحورها،
ولا تخرج منه إلا حين تجوع
كي تقضم شيئًا ما في صدورنا
مصدرة خشخشة
تشتدّ مع كل نفس.
إننا نتقدّم في السنّ
على طريقة البيوت.
في النهاية يعرف الجميع أننا نأيل للسقوط
يشير إلى ذلك مرورهم السريع
ونظرتهم التي تتوقّع الركام ![21]
البيت معقل الوجود، هو الكون المصغر، والمكان الأول الحاضن للتجارب وللحظات الحنين والطمأنينة والذكريات، هكذا عبّرت الشاعرة باستعارة كبرى « نتقدّم في السن على طريقة البيوت..»؛ حيث يخضع هذا المكان (البيت) لقوانين الطبيعة ذاتها التي يخضع لها الإنسان والجسد في آن. إلا أن سكينة حبيب الله تعيد هذه الصياغة الحميمية المرتبطة بالبيت، إذ يزيغ مفهوم البيت من فضاء أمام إلى فضاء هش آيل للاندحار والانهيار" فالخط الصغير على ملامح الوجه" يماثله أول شق في الجدار. فهذه الصورة القوية تشِي وبإيحاء جمالي بأن الانهيار علامة معركة ماضٍ مستمرة، يبدأ خفيا لا يرى، وكثيرا ما لا يؤخذ على محمل الجد !
تتصاعد اللغة وتنتقل من الوصف الخارجي إلى الزوايا والعليّات ؛
« تجمع الأسماء خائفة أغراضها بسرعة من رؤوسنا وتغادر..
تبني فيه قوارض صغيرة في جحورها..»
كلها أماكن تجسد فعل الانطواء، والاختباء والخوف، فهذه ليست تفاصيل أثاث أو معمار، إنها عوالم خياليّة تحفظ أسرار الذات الباطنية، فلا يغدو (البيت) إلا زاوية مكبرة للذات. إلى أن تبلغ القصيدة ذروتها؛
« في النهاية يعرف الجميع أننا آيلون للسقوط
يشير إلى ذلك مرورهم السريع
ونظرتهم التي تتوقّع الركام..»
تستبدل الشاعرة وبكل شهية السقوط الفيزيائي بالسقوط (الرمزي) فالقصيدة تجاوزت البعد الذاتي إلى بعد اجتماعي وإن بدا خفيا، فالآخر شاهد على هذا السقوط لكنه لم تتجل نظرته متعاطفة بل استشرافية للخراب، من تم يتحول الجسد= البيت، إلى زمن منسي في زمن السرعة.
من أعمق الرموز للثقة داخل عالم مليء بالصراعات والخيبة " العُش"، فهو بيت يعكس فعلا للعطف والرعاية، هكذا ينبع المكان ويُجسَّد كزمنٍ يتحرّك، وإلا ظلت الطيور تعانق طواحين الهواء دون أوكار لولا غريزة الثقة العمياء التي تحملها تجاه العالم ! تتيح قصيدة الطيور VS الشعراء هذه الصورة الرمزية التي توثقها الشاعرة مع الطبيعة والتي تبدو هامشية لكنها عناصر حاملة لمعنى داخل النص، تقول الشاعرة:
قشّ
خيطٌ انسَلَّ من فستان امرأةٍ ذاهبةٍ إلى موعدِ حبّ
قشّ
ساقُ وردةٍ رفعتها امرأةٌ عائدةٌ من موعدِ حبّ
قشّ
شَعرةٌ طويلةٌ على سترةِ رجلٍ لم ينتبه إليها وهو
ذاهبٌ إلى موعدِ حبّ
قشّ
قشّ
الكثير من القشّ.
هكذا تُبنى
الأعشاش
والقصائد
أيضًا. [22]
بلغة معاصرة يعلن العنوان لحظة صدامية يستفز المتلقي قبل سبر أغوار النص ، ليس بموجب تفوق طرف على آخر بقدر ما تطرح سؤال الإبداع بين ما هو غريزي ومصنوع ! تضع الشاعرة الطيور مقابل الشعراء ككائنين متعارضين ويلتقيان على جسر واحد هو عملية البناء، فالعصافير تبني أعشاشها مثلما يغزل الشعراء كلماتهم لكساء قصائدهم لكن، مادة البناء ليست صلبة وقوية بل هي يومية، رتيبة وهشة.
القصيدة تقوم على تَكرار مفردة (قش) الأمر الذي خلق جرسا موسيقيا ولازمة إيقاعية ودلالية في كون القش شيء مهمل وزائد ليتحول في القصيدة إلى عامل تأسيسي للمعنى؛
قشّ
خيطٌ انسَلَّ من فستان امرأةٍ ذاهبةٍ إلى موعدِ حبّ
قشّ
ساقُ وردةٍ رفعتها امرأةٌ عائدةٌ من موعدِ حبّ
قشّ
شَعرةٌ طويلةٌ على سترةِ رجلٍ لم ينتبه إليها وهو
ذاهبٌ إلى موعدِ حبّ..
تفاصيلٌ من الأيام العابرة، تستمد قيمتها بإقحامها داخل زوايا القصيدة لخلق مخزون عاطفي شعري غير مباشر، فصوت الشاعرة بدا خافتا، كأنها تراقب العالم عن كثب بمسافة، مكتفية بالتقطيع والتكثيف ولعل هذا ما ينسجم ومقومات كتابة قصيدة النثر الحداثية.
في نص شعري آخر للشاعرة حيث تتفكك اليقينيات وتتداخل الحدود موزّعا العلامات داخل التجربة الشعرية، مقترحا تمثيلاً مغايرا للعلاقة بين الفضاء والذات، تقول الشاعرة في قصيدة -فصول -:
أُغلِقُ النافذةَ صيفًا
فتقِفُ الشمسُ طويلًا خلفَها
غيرَ قادرةٍ على الدخول
مثلَ طفلٍ بحقيبةٍ فارغة
أمامَ خيمةِ سيرك.
ربيعًا أُغلِقُ النافذة
فلا تدخلُ
معَ الهواء
أجنحةُ الورود
وتزهرُ بعيدًا
عن رئتيَّ المريضة ..[23]
المكان داخل الجسد، في هذه القصيدة لا تتفجر الفضاءات كبنيات رمزية مغلقة، بل تجربة معيشة تدرك عبر الحواس والجسد فهي في تماس مع الواقع، فالعلاقة مع الأمكنة تتشكل عبر الإحساس لا عبر الرؤية وحدها، يؤكد ميرلوبونتي أن الجسد هو الوسيلة الأولى للاتصال الحيوي بالعالم، وإن المكان يختبر من الداخل لا من الخارج. وهذا ما تضطلع به القصيدة؛ إذ لا تتجلى الطبيعة في ذاتها إنما تنعكس على هشاشة الجسد للذات الشاعرة، وإن الوسط المكاني هو حقل كل الأفكار والإدراكات:
وتزهر بعيدًا / عن رئتيّ المريضة
وإن الفصول الحاضرة في القصيدة لا تقرأ كتعاقب موسمي زمني، بل كأشكال شعورية ممتدة للجسد الأنثوي:
في الصيف:
تقف الشمس طويلًا خلفها
غير قادرة على الدخول[24]
الضوء هنا لا يمثل الحياة والظهور إنما يتحول مباشرة إلى تهديد ورهبة،
في الربيع:
أجنحة الورود
وتزهر بعيدًا
عن رئتيّ المريضة[25]
الجمال يقصى خارج الجسد.
أغلق النافذة شتاء
أغلقها جيدا
أحكم إغلاقها
يدخل البرد من كل الجهات[26]
الهشاشة في منتهى تجلياتها، فلا الغلق يحمي ولا الانفتاح ينقذ ! فالمكان إذن، يُدرك عبر الرئة، القلب، البرد، الصوت، لا عبر الاستحواذ أو الامتلاك والسيطرة. وهي كتابة تُنصت للجسد، وتُعيد تشكيل الفضاء انطلاقًا من هشاشته.
خلاصة
بينت الورقة البحثية، أن الفضاء المكاني كعنصر بصري لا يستقرّ عند دلالة واحدة، بل يتشكّل عبر انزياحات متعدّدة تُزعزع ثنائيات الداخل/الخارج، والانغلاق/الانفتاح، والحماية/الانكشاف/الكشف/ رحلة الألم. كما بيّنت الدراسة أن الاستعارة والتشبيه لا يؤديان وظيفة تزيينية، بل يضطلعان بدور بنيوي في إنتاج المعنى وبناء البعد البصري للنص.
إن التجربتين المدروستين تمثلان حساسية نسائية خاصة في تمثيل المكان، حيث يتداخل الجغرافي بالوجودي، ويتحوّل الفضاء إلى امتداد للذات والذاكرة، بما يؤكد أن المكان هدير يجوب أصقاع جسد الذات الشاعرة وأنه مدخل أساس لفهم جمالية المكان في الشعر النسائي المغربي المعاصر.
بيبلوغرافيا:
ü مصدر الصورة: صور غوغل
ü باشلار، غاستون. جماليات المكان. ترجمة غالب هلسا. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1984
ü فضل، صلاح. بلاغة الخطاب وعلم النص. المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، مدينة الكويت، 1992..
ü فضل، صلاح. أساليب الشعرية المعاصرة. القاهرة: دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت، 1995.
ü الغذامي، عبد الله. الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1985.
ü كيليطو، عبد الفتاح. الأدب والغرابة. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2006.
ü سعيد، خالدة. حركية الإبداع. بيروت: دار الآداب، 1986.
ü الجرجاني، عبد القاهر. دلائل الإعجاز في علم المعاني. تحقيق محمود محمد شاكر. القاهرة، 1992.
ü أدونيس. زمن الشعر. بيروت: دار العودة، 1972
ü باختين، ميخائيل. أشكال الزمان والمكان في الرواية. ترجمة يوسف حلاق. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1990.
ü ميرلو-بونتي، موريس. فينومينولوجيا الإدراك. ترجمة فؤاد شاهين، 1945.
المتن الشعري
o السعيدي، خديجة. ترسم الجرح فتزهر. إبداعات عربية. دائرة الثقافة الشارقة. 2024.
o حبيب الله ، سكينة. خطة بديلة. منشورات المتوسط. 2019
o حبيب الله، سكينة. لا لزوم لك. منشورات بيت الشعر بالمغرب. 2014
[1]. غاستون باشلار، جماليات المكان، ص 27–30).
[2]. غاستون باشلار، جماليات المكان، ص 27–35( بتصرف)
[3]. ميخائيل باختين، أشكال الزمان والمكان في الرواية، ص 237–244( بتصرف)
[4]. أدونيس، زمن الشعر، ص 9–15 (بتصرف)
[5] . صلاح فضل، أساليب الشعرية المعاصرة، ص 41–53 (بتصرف)
[6] . عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير، ص 23–31 (بتصرف)
[7] .عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود شاكر، ص 47
[8] .(Cohen, Structure du langage poétique, p. 82–90
[9] .صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، ص 201–210
[10] خالدة سعيد، حركية الابداع ، ص 25
[11] عبد الفتاح كيليطو، الأدب والغرابة، ص 17– 23(بتصرف)
[12] خديجة السعيدي، ترسم الجرح فتزهر ص13
[13] خديجة السعيدي، ترسم الجرح فتزهر، ص14
[14] خديجة السعيدي، ترسم الجرح فتزهر،ص 18
[15] خديجة السعيدي، ترسم الجرح فتزهر، ص16
[16] خديجة السعيدي، ترسم الجرح فتزهر،ص 17
[17] خديجة السعيدي، ترسم الجرح فتزهر، ص18
[18] خديجة السعيدي، ترسم الجرح فتزهر، ص18
[19] خديجة السعيدي، ترسم الجرح فتزهر، ص165
[20] خديجة السعيدي، ترسم الجرح فيزهر، ص166
[21] سكينة حبيب الله، خطة بديلة، ص 9
[22] سكينة حبيب الله، خطة بديلة، ص 21
[23] سكينة حبيب الله، لا لزوم لك، ص80
[24] سكينة حبيب الله، لا لزوم لك، ص 80
[25] سكينة حبيب الله، لا لزوم لك، ص 80
[26]سكينة حبيب الله، لا لزوم لك، ص 81
FACEBOOK
Google
التعليقات (0)
لا تعليقات بعد