- 19 يونيو 2026
- مصطفى الأحول - المغرب
- نقد
- 0 التعليقات
- 81 المشاهدات
يعيش إنسان العصر الراهن داخل مجتمعات معقدة تتداخل فيها المصالح وتتعدد فيها الهويات، مما يجعل مسألة تنظيم التعايش من أبرز التحديات السياسية والأخلاقية. وإذا كان العيش المشترك يقتضي تنظيما قانونيا ومؤسساتيا، فإن الفكر الفلسفي ارتبط تاريخياً وبنيويا بهذا الفضاء العام. من هنا تبرز علاقة جدلية وطيدة، فهما يمثلان وجهين لعملة واحدة لا يمكن الفصل بينهما. ويدفعنا هذا التلازم إلى طرح الإشكال التالي: كيف ساهم فضاء العيش المشترك في ميلاد الفلسفة؟ وفي المقابل، كيف يتدخل فعل التفلسف لتحصين هذا العيش وبناء قيم السلم الدائم؟
إن العودة إلى تاريخ الفلسفة وتأسيسها الأول عند اليونان تكشف أن ميلاد الفكر الفلسفي لم يكن معزولا عن واقع المجتمع. لقد تهيأت الدولة/المدينة للحوار في مكان عام وخاص يدعى الأكورا الساحة العمومية. وشكلت هذه الساحة مهدا للنقاشات الإنسانية العمومية التي سادها جو ديمقراطي وحرية كاملة في التعبير، مما لعب دورا رئيسيا وفعالا في ميلاد الفلسفة ونشأتها. لقد ولدت الفلسفة نتيجة لهذا الشكل الخاص من المؤسسات السياسية المتمثل في الدولة/المدينة. ومع ظهور هذه الأخيرة في تاريخ الإنسان، تولد لديه إيمان راسخ بأن الشؤون العامة للناس لا يمكن تدبيرها، وأن القرارات المرتبطة بالمصالح المشتركة لا يمكن اتخاذها، إلا بعد نقاش عمومي يساهم فيه الجميع، وتتقارع فيه الخطابات المدعمة بالحجج والبراهين. انطلاقا من ذلك، نجد أن القواعد المتحكمة في السياسة داخل المدينة النقاش العمومي، الحجاج، والبرهان هي نفسها القواعد التي تحكمت في التفكير الفلسفي.
تأكيدا لهذا التلازم، يتضح أنه قبل قيام المدينة لم يكن للفلسفة وجود. فدخول الإنسان إلى حالة المدنية والمجتمع كما يخبرنا الفيلسوف جان جاك روسو في كتابه العقد الاجتماعي هو الذي منح الإنسان حقوقا وواجبات، وأوجد مؤسسات تسهر على تطبيقها. إن العيش المشترك داخل المدينة هو الذي أتاح للإنسان امتلاك الكلمة، الذاكرة، الأفكار، العواطف، والضمير الأخلاقي، بل وأتاح له امتلاك الفلسفة أيضا. وفي المقابل، ومنذ عقد ميلادها الرسمي مع سقراط، جعلت الفلسفة من الإنسان محور اهتمامها الرئيسي، حيث اعترفت به كجوهر ثابت وبقيمه التي تتولد عنها جميع القيم الأخرى. ويتحقق هذا الاعتراف عمليا من خلال احترام الشخص وحريته، وهو الأمر الذي يسمح بتأسيس فضاء سليم للعيش المشترك تحت لواء نزعة إنسانية كونية يسودها السلم الدائم.
إن الفلسفة تتحرك دائما داخل الجماعة، وتأخذ على عاتقها إعادة النظر في قيم هذه الجماعة وأفكارها وسلوكاتها عبر محاورتها ونقدها، فهي لا تقبل الموروث الثقافي على نحو سلبي قبلي دون إعمال العقل. والهدف من ذلك هو تأسيس قيم الجماعة على دعائم عقلانية تسمح لكل الناس بالتعايش. وفي جوهره، يظل فعل التفلسف وقوفا مطلقا وغير مشروط في وجه العنف، باعتبار العنف أداة مدمرة لكل إمكانية للعيش المشترك.
حاصل القول، يتبين أن العلاقة بين الفلسفة والعيش المشترك ليست علاقة عرضية، بل تلازم وجودي ووظيفي. فمن جهة، مثلت المدينة الديمقراطية وفضاء الأكورا الإطار التاريخي والاجتماعي الحاضن لولادة الفكر الفلسفي وازدهاره. ومن جهة أخرى، اضطلعت الفلسفة عبر مسارها التاريخي بوظيفة نقدية وتقويمية، إذ أنتجت القيم العقلانية التي تشكل الضمان الرمزي لحماية الفضاء العمومي من آليات التفك والانغلاق. ومن تمة، يتضح أن استقرار العيش المشترك لا يختزل في فعالية الأنظمة القانونية الصارمة وحدها، بل يستوجب يقظة فلسفية مستمرة تقوم على رفض التعصب السلبي، ومناهضة العنف، وتكريس الحوار العقلاني بوصفه الأساس المعياري لتحقيق السلم الدائم.
FACEBOOK
Google
التعليقات (0)
لا تعليقات بعد