- 19 يونيو 2026
- عبد السلام الفاضل
- قصص قصيرة
- 0 التعليقات
- 4 المشاهدات
الضب المنبوذ
كنا أطفالا صغارا في بيئة طبيعية بحتة، حيث لا وجود لصخب العالم الحالي: لا كهرباء، لا سيارات مكتظة، وبالطبع لا هواتف. كان جل اهتماماتنا مركزا على ما هو في الطبيعة، نلاحظ أصغر الأشياء مثل النمل التي تتنقل جماعة كجيش يقصد ساحة عراك، ونتأمل في كل شيء بطبيعة الأطفال الفضولية، ونعطي تفسيرا، ونكون انطباعا على أي كائن كان على وجه الأرض. نحب بعض الكائنات ونجلّها إن تركت لدينا انطباعا حسنا، ونسخط من أخرى ونمقتها إن تركت لدينا انطباعا سيئا، وبعضها الآخر كانت في منطقة رمادية حيث لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك، إن كانت مسالمة ودودة سالمناها، وإن كانت عدوانية متحدية حاربناها، ذلك إننا لم نكن نترك شيئا يذهب هباء، فكنا أصدقاء عطوفين لما أحببناها من تلك الكائنات، وأعداء لدودين لما كرهناها، بل نشن عليها حربا دؤوبا ونتعهد بالقضاء عليها، من الأمثلة على هذه الدراما الطفولية الخالصة قصتنا مع الضب والسحلية.
فقط كانت السحلية من النوع الأول من الكائنات التي حُظيت باحترامنا وكسبت صداقتنا، فأينما رأيناها نحسبها ذلك الصديق الجليل الذي يستحق الترحيب والمساعدة بقدر المستطاع، نأبى لها الحر اللافحة، ونحزن عندما نراها تعاني في العراء فندعها تمكث معنا في الظل، ونقدم لها الماء ونفرح جدا حين نراها تلتهم ذباب المنزل، لأننا كنا نعد الذباب هو الآخر من أعدائنا اللدودين الذين لابد من محاربتهم، وهذا هو السبب الثاني لتعاطفنا وحبنا للسحلية، أما السبب الأول والأقوى فهو اعتقادنا، أو بالأحرى ما تشربناه وترسخ في أذهاننا بأن تلك المخلوقة الصغيرة الزاحفة تقوم بعمل عظيم يوم القيامة، فقد لُقنّا أنها تقوم بحمل الماء وتصبه على النار في محاولة لتخفيف نار جهنم علينا بني البشر. أعلم أن هذه القصة قد تبدو ساذجة بعض الشيء في نظر الكبار، أما بالنسبة لطفل، فقد كانت كفيلة بأن تولد ذلك الشعور الذي ينبع بالحنان والحب والصداقة الأبدية. هذه هي قصة السحلية.
أما في الجانب المقابل هناك الضب، ذلك الكائن الزاحف الذي تظن أنه ربما سيلقى منا نفس معاملة السحلية؛ لأنه من نفس بني جنسه، لكن هذا خطأ تماما، فكما كنا نشعر بعطف وتآلف كبير مع السحلية، فقد كنا نشعر ببغض كبير وكره لا حدود له مع الضب، ولنفس المعتقد الذي تجذر في عقولنا عن السحلية، فإن للضب حكاية مثيرة، أصحيح هذا أم خطأ؟ فقد كان لدينا اعتقاد جازم بأن تلك الحركة التي يمارسها الضب برأسه للأعلى والأسفل حين يقف منتصبا على رجليه الأماميتين، هذه الحركة كنا نظنها سب لله ولرسوله وللمسلمين (معاذ الله). لا أدري كيف تلقينا المعتقد، لكنه كان قويا جدا ليولد فينا كرها ومقتا شديدا لذلك الكائن الصغير، فما إن نرى ضبا حتى نشن عليه حربا ضروسا، مطاردة وضرب بكل ما هو في متناول يد الطفل، من أحجار، طوب أو عصي، أو حتى النبال التي كنا مهووسين بها آنذاك، ولو تمكنا من القضاء على ضب نفرح فرحا شديدا على عكس طبيعة الأطفال من براءة وحنية، لكن نادراً ما يحدث أن نقضي على واحد منها؛ فهو سريع وماهر في مراوغة رمينا، كما أنه بارع جدا في استفزازنا، فكلما أخطأ تصويبنا، يقف منتصبا ويفعل حركته الممقوتة مما يزيد من غيظنا وتؤجّج نار الغضب في صدورنا، مما يجعلنا نستهدفه بكل ما نملك فإن نفدت منا الحجارة لا نمانع أن نستخدم أحذيتنا أو أي شيء في المتناول، وبعد عدة محاولات ربما هرب بعيدا متسلقاً جذع شجرة أو جدار غرفة ثم إلى السطح وتوارى عن الأنظار، أو ربما تمكنا من إصابته والنيل من ذيله، وهذا يحدث كثيرا جدا، وهو سببٌ كافٍ لتهدئة نار صدورنا وتوليد ذلك الشعور بالنصر، حتى وإن لم نقضِ على العدو، فقد أفقدناه شيئا من جسده، وهذا درس جيد لذلك الكافر أو كما اعتدنا أن ندعوه فبالنسبة لطفل في الخامسة من عمره، رؤية ذلك الذيل في ساحة المعركة وهو يتحرك كدودة أو ثعبان قطع رأسه كانت سببا وجيها للشعور بالانتشاء والاحتفال بالنصر علي ذلك الزاحف الصغير المستفِز.
وهنا تنتهي قصتنا مع الضب المنبوذ، الذي طالما اعتبرناه منبوذا ومدعاة للحرب. لكن لنعد قولبة الأمور، كل مرة نتصادم مع ضب نفقده ذيله ثم يهرب هو الآخر بعيدا، كل مرة؟ يبدو مدعاةً للشك، وأظن أنه يمكنني أن اعترف أن بعض المرات لا يبدو أننا قد أصبناه فعلاً، لكن هاهو الذيل يتأرجح أمامك، إنه وقت الاحتفال.
أظنني الآن بدأت أفهم، كل مرة تقابل ضبا تفقده ذيله، لا يمكن أن تكون هذه مصادفة، ماذا لو، ماذا لو تعمد فقد ذيله؟ يبدو تفكير جنوني، لكن ماذا لو قرر الضب النفاد بجلده مضحيا بذيله؟ إليك السيناريو: يرى الضب طفلا هائجا يريد أن ينقض عليه فيحاول الهروب وعندما يشعر بتهديد الصبي وأن الضربات تنهال عليه من أمامه وخلفه وجانبيه، يقرر تطبيق حيلته المخادعة، ألا وهي فصل الذيل، دع الذيل يتأرجح، ولنكسب بضع ثوانٍ للهروب بعيدا بينما لا يزال الطفل غارقا في ذهوله؛ لنمنحه نصرا زائفا ونفلت بجلدنا.
واو! تبدو حيلة شيطانية مخادعة ذكية. رباه، لا أظن أنها حقيقية، لكن... تذكرت شيئا، كنت قد قرأت في مكان ما أن بعض الزواحف يمكنها أن تفصل ذيلها عندما تشعر بتهديد حقيقي، فهذا يمنحها بعض الوقت للهرب. إذاً، فكل ما ذُكر في السناريو يبدو حقيقياً ومنطقياً جداً. واو! يا له ما ضب صغير ذكي مخادع مستفِز.
لقد كدت أن أنسى، فهناك سببان رئيسيان جعلا الضب منبوذا ومكروها جدا، أولاهما حركة الرأس التي ذكرناها، والأخرى كسابقتها، مجرد اعتقاد جازم بأن الضب مما يشجعون على إيقاد نار جهنم؛ بنقل الحطب لتزداد النار توهجا واشتعالا. بالله عليّ! لا أدري كيف نتجت هذه الاعتقادات، لكنها كانت كفيلة أن تترك في عقل طفل بريء انطباعا جيدا في مثال السحلية أو سيئا جدا _في مثال الضب.
والآن قل لنا، هل الضب المنبوذ فعلا كان منبوذا؟
الدروس المستفادة:
١. بعيدا عن الاعتقادات الشائعة والتصرفات الصبيانية البحتة، كن لطيفاً مع مخلوقات الله أياً كانت، فلقد خلقها الله لحكمة ولله في خلقه شؤون.
٢. كن إنساناً واعياً متحفزاً ولا تنصاع وراء نصر سطحي زائف، فربما كان تمويهاً ومراوغةً بواسطة ضب مخادع.
٣. لا تحكم على الأشياء لمجرد انطباع خاطئ نتج عن سوء تفسير لفعل أو حركة يفعلها كائن ما، فربما هو يفعلها فقط لأنه يفعلها ولا شيء آخر، وبالطبع لا يقصد استفزازك.
٤. وأخيرا يمكن للضب المنبوذ أن يُحظى بنفس اهتمام السحلية، أو على الأقل أن لا يُقابل بالضرب وأن يُترك يعيش في سلام.
FACEBOOK
Google
التعليقات (0)
لا تعليقات بعد